
القدس ليست مجرد اسمٍ أو استعارة أدبية، إنها مدينة تعيش في الوعي الجمعي العربي والإسلامي والمسيحي واليهودي ككائنٍ حيّ ينهض كلما حاول التاريخ طيّه. فالذاكرة المقدسية ليست أرشيفًا جامدًا، بل فعل مستمر يتجدّد مع كل جيل، ويعيد إنتاج ذاته رغم محاولات المحو والتشويه.
اخترت أن أكتب عن موضوع يُكتب يوميا، لكن بطريقة مختلفة، لأن الذاكرة – في جوهرها – أهم من الرواية. فالرواية فنٌّ يعيد تشكيل الواقع، أما الذاكرة فهي الواقع نفسه، بما يحمله من تجارب عاشها الإنسان المقدسي، وعايش تفاصيلها مع نسيجٍ بشريّ متنوع شكّل الحياة في القدس الشريف.
ورغم إمكانية إعادة ترتيب نصوص الذاكرة أو تأويلها، إلا أنها تبقى ثابتة لأنها تربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
ولكي نُعيد للذاكرة المقدسية حضورها، لا بد من أدوات تربط أمجاد الماضي بواقع اليوم، وتقدّم الحقيقة لزوار القدس بأساليب راسخة، بعيدة عن المزاودات والتحريف والأساطير.
سوق البازار… لماذا يجب أن تُروى الذاكرة من هنا؟
يبعد سوق البازار عن منزلي خمسة عشر مترا فقط باتجاه الشمال، وهو الطريق الذي أسلكه يوميا تقريبا نحو المسجد الأقصى. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، كان السوق يعج بالحركة، ويُعدّ المركز الرئيس لبيع الخضروات والفواكه في القدس القديمة، يرتاده العرب واليهود والسياح على حدّ سواء. وكل صورة أرشيفية للسوق تحمل وراءها حكاية وذاكرة ورواية.
لكن خلال العقدين الأخيرين، تعرّضت القدس لنكسات عديدة أدّت إلى إغلاق السوق، ثم جرى ترميمه تمهيدا لإعادة فتحه و/ أو استثماره من قبل شركات وطنية. ورغم مرور الوقت، ما يزال السوق مغلقا بالسلاسل، بين عطاءات ترسو هنا ومناقصات تتعثر هناك.
في يوم الجمعة الموافق 28/8/2026، جلست بعد الصلاة في محل صديق وقريب، السيد محمود جميل أبو عيد، وهو تاجر آثار من الجيل الرابع، يجمع بين التجارة والعلم والثقافة ويحمل اللقب الثاني في التاريخ، فضلا عنه أن دليل سياحي، قل نظيره من تجار القدس... ثم حضر المهندس فؤاد الدقاق وجلس معنا وطلب القهوة... ودار حديث عن القدس وهموم أهلها، بينما كانت حركة المصلين والزوار – مسلمين ويهودا – نشطة في خط داوود.
لفت انتباهي اهتمام الزوار اليهود بالقطع الأثرية المعروضة في المحل، ورغم أنهم لا يشترون غالبا، إلا أن تأملهم للقطع وسؤالهم عن تاريخها يؤكد شغفهم بالتراث، بل إن بعضهم يناقش صاحب المحل في أدق التفاصيل وكأنه متخصص في علم الآثار.
كما أنه من المُلاحظ أن حركة مرور اليهود في خط داوود – حيث يقع سوق البازار بمساحة 450 مترا مربعا وفق تصريح المهندس الدقاق – ازدادت بشكل لافت بعد أحداث 7 تشرين الأول 2023، وكأننا في سباق على من يطأ أرض البلدة القديمة أكثر، - وللأسف- فإن الاستفزازات التي يقوم بها بعض المتطرفين من اليهود أصبحت ظاهرة يومية لا يمكن تجاهلها.
من الاجتماع إلى الفكرة: كيف نُحيي الذاكرة المقدسية؟
ناقشنا واقع السوق المغلق، وأجمعنا على ضرورة استغلاله بصورة صحيحة، تحت إشراف المخلصين من أهل القدس، ليكون مركزا لسرد الذاكرة المقدسية وفق أسس علمية تعتمد على الوثائق الرسمية، وعلى رأسها وثائق المحكمة الشرعية العثمانية، التي عكست واقع الحياة في القدس خلال أربعة قرون من الحكم العثماني.
ورغم معرفتنا بالجهة التي أصبحت مسؤولة عن السوق اليوم، إلا أن من واجبنا أن نُسمعهم صوتنا، حيث يجب استغلال المكان والزمان بأسلوب حضاري، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ووضع شاشات كبيرة بلغات متعددة – بما فيها العبرية – وتقديم الماء والمشروبات بأسعار رمزية، لإظهار أن القدس كانت وما تزال فضاء مشتركا عاش فيه المسلمون والمسيحيون واليهود دون عنصرية أو تهديد.
فالوثائق الشرعية تُظهر حجم المعاملات المدنية والتجارية بين أبناء المدينة، وتُثبت أن اليهود عاشوا معنا في رقعة جغرافية لا تتجاوز كيلومترا مربعا واحدا، وتعلموا وعملوا ومارسوا طقوسهم بحرية تامة.... لم نقتلهم، ولم نصفهم بالحشرات أو الأفاعي، ولم نطالب بتقسيم كنُسهم، ولم نقف على قبابها لنزعم ملكيتها، هذا درس حي لأمثال الوزير بن غفير ومن لحف حوله...
من الوثائق المهمة ما يتصل بقضية ترميم الكنيس اليهودي في حارة اليهود، بقرار سلطاني، رمّم العثمانيون فخالف قاضٍ شرعي قرار السلطان مما كان عرضة للعزل والمسائلة، فلم يتعرض أحد لصلواتهم أو أماكن عبادتهم ولم يعطل أحد طقوس ممارسة شعائرهم، ولم تفلق الكنس لأسباب أمنية أو لأسباب اجتماعية ....
الذاكرة ليست تجارة… القدس ليست سلعة
يجب أن يدرك القائمون على سوق البازار أن القدس ليست سلعة، وأن الذاكرة المقدسية ليست تجارة. فالذاكرة فعلٌ وتذكير ينفع المؤمنين، كما قال تعالى: "وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (سورة الذاريات آية 55).
لذلك، من الضروري بمكان زيارة الموقع، والاطلاع على الحركة اليومية فيه، وسؤال أصحاب المحلات – خصوصًا القدماء منهم – عن رؤيتهم في كيفية استغلال السوق، بما يخدم سرد الذاكرة المقدسية، والعمل على فتحه حالا غير آجل بعيدا عن مزاحمة التجارة.