
في غزة، كانت القنابل تنهال كالمطر، تُسقط المباني وتدفن تحتها أجساد الأطفال. وفي الوقت ذاته، كانت قنابل أخرى تنفجر في داخل صدور الجنود... قنابل من نوع مختلف: شظايا ضمير مشروخ، تتناثر في الروح ولا تُرى.
لم يكن المشهد ينتهي عند لحظة الانفجار. فالمدينة التي تحولت إلى ساحة حرب لم تترك آثارها في الحجارة وحدها، بل امتدت آثارها إلى من دخلوا إليها بالسلاح، وعادوا منها بأجسادهم، بينما بقي جزء من الحرب عالقًا في داخلهم.
وهذا ليس مجرد توصيف أدبي. الصحافة الإسرائيلية نفسها بدأت تتحدث بصورة متزايدة عن الثمن النفسي للحرب. أرقام عن الانتحار ومحاولاته، وتقارير عن اضطراب ما بعد الصدمة، وحديث متصاعد داخل المؤسسة العسكرية عن صعوبة التعامل مع جنود خرجوا من ساحات القتال وهم يحملون إصابات لا تظهر على أجسادهم.
لكن الأرقام، مهما كانت صادمة، لا تقول كل شيء.
فالرقم لا يخبرنا ماذا رأى الجندي، ولا ماذا تذكر عندما عاد، ولا ماذا حدث في تلك المسافة الفاصلة بين انتهاء مهمته العسكرية وعودته إلى حياته اليومية. الرقم يخبرنا فقط أن شيئًا ما يحدث داخل جيش يخوض حربًا طويلة، وأن كلفة الحرب النفسية لم تعد قابلة للإخفاء بسهولة.
الحرب الحديثة لا تترك خلفها الركام فقط. تترك أسئلة أيضًا.
الجندي الذي كان يتحرك وسط الدخان بأوامر واضحة، يجد نفسه بعد العودة أمام مساحة مختلفة تمامًا: لا قائد، ولا هدف عسكري، ولا تعليمات. فقط حياته العادية، التي يفترض أن يعود إليها وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن كيف يعود الإنسان إلى العادي بعد أن عاش الاستثنائي إلى هذا الحد؟
قد يجلس إلى مائدة عائلته، بينما تجلس غزة في مكان آخر من ذاكرته. قد يذهب إلى عمله، بينما تبقى صور الحرب معلقة في داخله. وقد يحاول أن يضع ما حدث في خانة «المهمة العسكرية»، لكن الإنسان ليس ملفًا يمكن إغلاقه بمجرد انتهاء المهمة.
وهنا تظهر المفارقة التي لا تستطيع البيانات العسكرية حلها: السلاح يمنح الجندي قوة في الميدان، لكنه لا يمنحه بالضرورة قدرة على التحكم فيما تتركه الحرب في داخله.
ولذلك فإن الحديث عن الصحة النفسية للجنود لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبرًا عابرًا، بل باعتباره أحد وجوه الحرب التي لا تظهر في نشرات المساء. فالدولة تستطيع أن تحصي عدد القتلى والجرحى، وتستطيع أن تعلن انتهاء عملية عسكرية، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تحصي عدد الذين تغيروا من الداخل.
ومع ذلك، لا يجوز أن تنقلب الصورة.
فالحديث عن معاناة الجندي لا يمكن أن يمحو معاناة الضحية. هناك طفل فلسطيني لم يعد إلى منزله أصلًا، وأم فقدت أبناءها، وعائلة فقدت بيتها، ومدينة ما زالت تحمل آثار القصف في كل زاوية.
الجندي قد يعود حاملًا صدمة الحرب، أما الضحية فقد تكون الحرب نفسها قد أخذت منها كل شيء.
وهذا هو الفارق الذي يجب أن يبقى حاضرًا عندما نتحدث عن الكلفة النفسية للحرب.
فإذا كانت الحرب قد تركت هذا القدر من الاضطراب في نفوس بعض المشاركين فيها، فكيف يمكن تصور حجم ما تركته في نفوس من عاشوا تحت القصف، وفقدوا أحباءهم، وشاهدوا بيوتهم تنهار أمام أعينهم؟
غزة هنا ليست مجرد خلفية للأرقام.
غزة هي أصل الحكاية.
من شوارعها خرج الجنود، ومنها عادوا، وفيها بقيت آثار حرب لن تستطيع التقارير اختصارها في أعداد.
وربما لهذا السبب تحديدًا تصبح المسألة أكبر من الحديث عن الانتحار أو اضطراب ما بعد الصدمة. إنها تتعلق بالسؤال الذي تتهرب منه الحروب عادة: ماذا يحدث للإنسان عندما يتحول القتل إلى مهمة، والموت إلى رقم، والبيت إلى هدف، والطفل إلى مجرد صورة في تقرير؟
قد تنجح الجيوش في السيطرة على الأرض، وقد تنجح الحكومات في السيطرة على الرواية، وقد تنجح البيانات في ترتيب الكلمات بعناية، لكن هناك شيئًا لا يمكن السيطرة عليه بسهولة: الذاكرة.
فالذاكرة لا تعرف الرتب.
ولا تقرأ البيانات العسكرية.
ولا تعترف بالحدود التي تضعها المؤسسات بين «الميدان» و«الحياة».
ولهذا قد تكون غزة قد خرجت من الميدان، لكنها لم تخرج بالضرورة من الإنسان.
وفي نهاية الأمر، ليست أقسى نتائج الحرب أن يعود الجندي مصابًا في جسده؛ الجسد يمكن أن يُعالج.
الأقسى أن يعود وهو يحمل سؤالًا لا يستطيع أحد أن يجيبه عنه.
سؤالًا لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى محكمة، ولا إلى بندقية.
سؤالًا واحدًا فقط:
كيف يمكن للإنسان أن يدفن ما فعله، إذا كانت ذاكرته ترفض أن تكون قبرًا؟
كلما ناموا... استيقظت غزة.