"مملكة يهوذا"...دولة المستوطنين التي تعيد رسم مستقبل الضفة الغربية

28/08/2026

كتب اسماعيل الريماوي: ثورة استيطانية كبيرة تجرى في تلال ومناطق الضفة الغربية من الشمال الى الجنوب ، عمران يجري على قدم وساق في أطراف المدن والقرى الفلسطينية، ليس مجرد سياسة تتغير حدتها تبعاً للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ما يجري اليوم أعمق وأخطر من ذلك بكثير؛ نحن أمام تحوّل بنيوي يتبلور تدريجياً نحو إقامة كيان استيطاني موازٍ يمتلك أدوات الأرض والسلاح والمال والإدارة والنفوذ السياسي، ويعمل على تحويل الضفة الغربية إلى فضاء جغرافي وسياسي مختلف تماماً عن أي تصور لإقامة دولة فلسطينية.

وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي قد بدأ بعد عام 1967 بالسيطرة على الأرض، فإن المشروع الاستيطاني يعمل منذ عقود على تحويل هذه السيطرة العسكرية إلى سيادة دائمة على الأرض، وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية: لم يعد السؤال الإسرائيلي المطروح فقط هو أين تقام المستوطنات، وإنما من يملك الحق في تقرير مستقبل الضفة الغربية، ومن يحدد حدودها، ومن يفرض قواعد الحياة فيها.
فيما يعود الحديث عن «مملكة يهوذا» من جديد، هذا ليس هذا مجرد توصيف أدبي أو سياسي مبالغ فيه؛ بل يعكس اتجاهاً أيديولوجياً داخل التيار الديني القومي الإسرائيلي الذي يرى في الضفة الغربية باعتبارها جزءاً من «أرض إسرائيل» التاريخية، ويرفض بصورة جوهرية فكرة الانسحاب منها أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة فيها، ومن داخل هذا التصور تتشكل منظومة سياسية واجتماعية ترى في الفلسطينيين عائقاً أمام مشروع استيطاني لا يريد التعايش معهم بقدر ما يريد إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بحيث يصبح الوجود الفلسطيني محاصراً ومجزأً ومحدوداً إلى أقصى درجة مممكة .

وهنا انتقل الاستيطان من مرحلة «المشروع» إلى مرحلة «النظام»
فالمستوطنات لم تعد مجرد تجمعات سكانية متناثرة، بل باتت مرتبطة بشبكة من الطرق الالتفافية، والمجالس المحلية والإقليمية، والبنى الاقتصادية، والمؤسسات التعليمية والدينية، وشبكات الحماية المسلحة، والمنظمات السياسية، والمنصات الإعلامية والرقمية، هذه المنظومة تمنح المستوطنين قدرة متزايدة على التأثير في القرار السياسي والأمني الإسرائيلي، بل وعلى صناعة الواقع على الأرض.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الدولة التي يفترض أنها تسيطر على المستوطنين أصبحت رهينة للمشروع الاستيطاني نفسه.
فالأحزاب التي تمثل التيار الديني القومي والاستيطاني لم تعد قوة هامشية في السياسة الإسرائيلية، لقد دخلت قلب السلطة، وحصلت على مواقع مؤثرة في الحكومة والوزارات والمؤسسات التي تتعامل مع الضفة الغربية، وأصبح المستوطنون لا يكتفون بالضغط من خارج مؤسسات الدولة، بل يشاركون في صناعة القرارات من داخلها.
في الماضي كان بالإمكان النظر إلى الاستيطان باعتباره إحدى أدوات الاحتلال. أما اليوم فإن الاستيطان بات، بصورة متزايدة، أحد مراكز صناعة سياسة الاحتلال نفسها .
ومن هنا يمكن فهم التوسع المتسارع في البؤر الاستيطانية، والاستيطان الرعوي، والاستيلاء على الأراضي، وشق الطرق، وفرض مناطق عازلة، وتقييد حركة الفلسطينيين، وتكريس الفصل الجغرافي بين التجمعات ا الجغرافيا لفلسطينية، فكل قطعة أرض يتم الاستيلاء عليها، وكل طريق جديد يُشق، وكل بؤرة تتحول إلى مستوطنة، ليست مجرد واقعة محلية؛ إنها جزء من عملية أكبر لإعادة رسم الخريطة بحيث يصبح قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً بالغ الصعوبة.
إن أخطر ما في المشروع الاستيطاني ليس عدد المستوطنين وحده، وإنما الجغرافيا التي يصنعونها ، فالاستيطان لا يعمل فقط على زيادة عدد المستوطنين؛ إنه يعمل على إعادة هندسة المكان الفلسطيني.
إنها عملية بطيئة ولكنها شديدة الفعالية: مصادرة أرض هنا، طريق هناك، بؤرة جديدة في منطقة ثالثة، منع البناء في منطقة، توسيع مستوطنة في أخرى، اعتداءات أو ضغوط تدفع السكان إلى مغادرة أراضيهم، ثم تحويل الأرض التي أُفرغت من سكانها إلى مجال جديد للاستيطان، وهكذا تتحول السيطرة على الأرض من إجراء مؤقت إلى واقع دائم.
والأكثر خطورة أن هذه العملية تجري تحت مظلة سياسية وقانونية إسرائيلية متنامية.
فما كان يوصف في مرحلة سابقة بأنه «بؤرة غير قانونية» يتحول لاحقاً إلى موقع معترف به، وما كان استيلاءً استثنائياً على الأرض يمكن أن يجد له غطاءً قانونياً أو إدارياً، وبذلك يتحرك المشروع الاستيطاني وفق معادلة واضحة: فرض الأمر الواقع أولاً، ثم إنتاج الغطاء القانوني والسياسي له لاحقاً.
وهنا يصبح القانون نفسه جزءاً من عملية الاستيطان،
أما الفلسطيني، فيجد نفسه أمام منظومة مختلفة تماماً: لا يواجه مستوطناً من الاستيطانية فرداً فقط، بل يواجه شبكة من المؤسسات والأجهزة والقرارات والطرق والجيش والشرطة والمنظمات الاستيطانية والحكومة، ولذلك فإن الحديث عن «اعتداءات فردية» يختزل الصورة؛ لأن الخطر الأكبر يتمثل في تحول العنف والاستيلاء على الأرض إلى منظومة متداخلة بين المبادرة والحماية الرسمية.
والمسألة لا تتوقف عند الضفة الغربية وحدها، بل تتصل بمستقبل المشروع الصهيوني نفسه.
فصعود التيار الاستيطاني المتطرف يعني أن فكرة التسوية القائمة على دولتين تواجه اليوم ليس فقط رفضاً أيديولوجياً، وإنما بنية مادية يجري بناؤها على الأرض لتجعل تلك التسوية أكثر صعوبة كل يوم.
وهنا ينبغي فهم معنى «الضم الفعلي».
فالضم لا يحتاج دائماً إلى إعلان رسمي، يمكن أن يحدث الضم تدريجياً من خلال السيطرة على الأرض، وربط المستوطنات بالبنية التحتية الإسرائيلية، وتوسيع صلاحيات المجالس الاستيطانية، وفرض منظومة أمنية واحدة، وإخضاع الفلسطينيين لمنظومة مختلفة من القيود، ثم يصبح الإعلان السياسي عن الضم مجرد اعتراف رسمي بواقع قائم بالفعل.
وهذه ربما هي الاستراتيجية الأكثر خطورة: أن تختفي الحدود بين الاحتلال والاستيطان والضم، بحيث يصبح الاحتلال نفسه هو الوضع الدائم.
لكن ثمة بعداً آخر بالغ الأهمية، وهو أن المجتمع الإسرائيلي نفسه يتغير ت سياسية حت تأثير هذا المشروع، فالأجيال الجديدة التي تنشأ داخل بيئة سياسية ودينية وقومية متطرفة، وترى الفلسطيني باعتباره تهديداً دائماً، تصبح أكثر استعداداً لقبول العنف والاقتلاع والتوسع الاستيطاني باعتبارها أموراً طبيعية أو ضرورية.
وهنا لا يعود الاستيطان مجرد سياسة حكومية؛ بل يتحول إلى ثقافة سياسية واجتماعية.
وهذه نقطة يجب التوقف عندها طويلاً، لأن خطورة المشروع لا تكمن فقط في المستوطنات، بل في إنتاج عقلية تعتبر الأرض ملكاً حصرياً لجماعة دينية وقومية، وتتعامل مع السكان الفلسطينيين الأصليين باعتبارهم مشكلة أمنية أو ديموغرافية ينبغي احتواؤها أو طردها أو تفريغ مناطقهم تدريجياً.
ومن هنا يصبح مصطلح «مملكة يهوذا» أكثر دلالة؛ لأنه يشير إلى مشروع يتجاوز الحسابات الحزبية اليومية، ويستند إلى تصور ديني وقومي يرى السيطرة على الضفة الغربية جزءاً من مشروع تاريخي مقدس، لا مجرد ورقة تفاوضية.
لكن المفارقة أن هذا المشروع قد يؤدي في النهاية إلى إضعاف إسرائيل نفسها.
فكلما توسعت المستوطنات، وكلما تعاظم نفوذ التيار الاستيطاني، أصبحت إسرائيل أمام معضلة متزايدة: فهي تريد السيطرة على كامل الأرض، لكنها لا تريد منح الفلسطينيين حقوقاً سياسية متساوية، وبين السيطرة ورفض المساواة تنشأ منظومة دائمة من الاحتلال والفصل والتمييز والصراع.
وهذا يعني أن المشروع الاستيطاني لا يلغي القضية الفلسطينية؛ بل يعمقها،
قد يغيّر الجغرافيا، وقد يصادر الأرض، وقد يبني عشرات البؤر والمستوطنات، لكنه لا يستطيع إلغاء حقيقة وجود ملايين الفلسطينيين الذين يتمسكون بأرضهم وحقوقهم وهويتهم.
وفي النهاية، فإن المعركة في الضفة الغربية لم تعد فقط معركة على مستوطنة هنا أو بؤرة هناك، بل أصبحت معركة على من يملك المستقبل السياسي والجغرافي لهذه الأرض.
«مملكة يهوذا» التي يجري بناؤها على تلال الضفة الغربية، قد تبدو اليوم قوة صاعدة لا يمكن إيقافها، لكنها في الحقيقة تحمل داخلها تناقضاً عميقاً: فكلما توسعت، ازداد الصراع؛ وكلما صادرت الأرض، ازدادت المقاومة السياسية والشعبية؛ وكلما حاولت محو الفلسطيني من الجغرافيا، أصبح ال وجودها سؤال الفلسطيني أكثر حضوراً في العالم.
ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس أن تستولي «دولة المستوطنين» على الضفة الغربية فحسب، بل أن يصبح العالم أمام واقع استعماري دائم يجري تطبيعه مع مرور الزمن .
إن ما يجري ليس مجرد توسع استيطاني، وإنما محاولة لإعادة كتابة الجغرافيا والتاريخ والسياسة بالقوة،  ولذلك فإن مواجهة هذا المشروع لا تبدأ فقط بإدانة مستوطنة جديدة، وإنما بكشف المنظومة كاملة: منظومة الاستيلاء على الأرض، والضم التدريجي، والعنف، والحماية السياسية، وإعادة إنتاج القانون لخدمة الأمر الواقع.
فالضفة الغربية اليوم تقف أمام مشروع يريد تحويل الاحتلال المؤقت إلى نظام دائم، والاستيطان إلى سيادة، والمستوطن إلى صاحب أرض، والفلسطيني إلى غريب في أرضه.
لكن التاريخ لا يُحسم دائماً بمن يملك القوة في لحظة معينة؛ بل بمن يستطيع أن يحافظ على حقه ووجوده وهويته عبر الزمن.
ولهذا فإن معركة الضفة الغربية ليست معركة على بضعة آلاف من الدونمات، وإنما معركة على فلسطين نفسها: هل تكون أرضاً لشعبين بحقوق متساوية وسلام عادل، أم تتحول إلى «مملكة يهوذا» مغلقة على حساب شعب اقتُلع من أرضه ويُطلب منه أن يقبل بأن يصبح غريباً فيها؟