
وطن للأنباء: لم تقتصر تداعيات الحرب على غزة على تدمير المنازل والبنية التحتية، بل طالت منظومة العدالة بشكل مباشر، مع تدمير نحو 90% من مباني المحاكم ومراكز النيابة في القطاع، وفق ما كشفه وزير العدل المستشار شرحبيل الزعيم، مؤكداً أن الوزارة أعدت خطة متكاملة لإعادة بناء قطاع العدالة، بكلفة تتجاوز 750 مليون دولار.
وقال الزعيم إن قصر العدل، الذي يمثل المركز الأساسي لمباني الجهاز القضائي في قطاع غزة، دُمّر بالكامل، إلى جانب محاكم ومراكز نيابة في شمال القطاع وجنوبه، فيما بقيت محكمة دير البلح المحكمة الوحيدة العاملة في القطاع.
وأوضح، في حديث لبودكاست "بدائل" الذي تنتجه شبكة وطن الإعلامية بالشراكة مع وزارة العدل وبدعم من برنامج سواسية، أن استمرار عمل محكمة واحدة في دير البلح لا يمكن أن يلبي احتياجات المواطنين، في ظل اضطرار بعض المواطنين والمحامين إلى قطع مسافات تستغرق بين ساعتين ونصف وثلاث ساعات للوصول إليها، ما ينعكس مباشرة على حق الوصول إلى العدالة وسهولة التقاضي.
نزاعات جديدة على الملكية والميراث
وأشار وزير العدل إلى أن الحرب أفرزت أشكالاً جديدة من النزاعات، إلى جانب القضايا المتراكمة قبل الحرب، أبرزها الخلافات حول ملكية العقارات والشقق والحدود والميراث.
وضرب مثالاً بمبانٍ سكنية تضم عشرات الشقق، جرى بيعها بموجب عقود غير مسجلة رسمياً، قبل أن تتعرض المباني للتدمير، ما فتح الباب أمام نزاعات معقدة بين أصحاب الأراضي ومن أقاموا المباني وملاك الشقق.
وفي مواجهة صعوبة الوصول إلى المحاكم وتزايد المنازعات، أكد الزعيم أن وزارة العدل تعمل على تنشيط الوسائل البديلة لحل النزاعات، وفي مقدمتها الوساطة والتحكيم، باعتبارها أدوات يمكن أن تخفف العبء عن المحاكم وتوفر للمواطن حلولاً أسرع وأقل كلفة.
وقال إن هذه الوسائل ليست بديلاً عن القضاء، وإنما "نوع من العون للجهاز القضائي"، بما يسمح للمحاكم بمنح القضايا التي تصل إليها الوقت الكافي لدراستها وإصدار الأحكام.
الوساطة.. حل قد ينهي النزاع خلال جلسة واحدة
وبيّن الزعيم أن الوساطة تتميز بالسرية والمرونة، ويمكن أن تنهي النزاع خلال جلسة واحدة، فيما قد تمتد في حالات أخرى لأسبوع أو أسبوعين، بحسب طبيعة القضية واتفاق الأطراف.
أما التحكيم، فأوضح أن أطراف النزاع يتفقون على تعيين محكم وعلى المدة التي يجب خلالها إصدار القرار، مشيراً إلى إمكانية الاتفاق على مهلة محددة، مثل 60 يوماً، لإنهاء إجراءات التحكيم وإصدار القرار.
وأكد أن الفرق في الزمن قد يكون كبيراً بين اللجوء إلى القضاء واللجوء إلى الوسائل البديلة، قائلاً إن القضية "يمكن أن تحل في شهر واحد أو في أربع أو خمس سنوات وربما أكثر من ذلك بكثير"، في حين قد ينتهي بعض النزاعات بالوساطة خلال وقت قصير جداً.
حماية حقوق النساء والأطفال
وشدد وزير العدل على أن الوسائل البديلة ليست متاحة لجميع أنواع النزاعات، خصوصاً القضايا التي تمس الحق العام أو الحقوق التي يحميها القانون بحماية خاصة.
وأوضح أن حقوق النساء والأطفال والفئات الهشة لا يمكن التعامل معها خارج الأطر القانونية المحددة، مشيراً إلى أن بعض الحقوق، مثل حقوق القُصّر في الميراث، لا يجوز أن تكون محلاً للتحكيم أو الوساطة بالطريقة التي تجري بها النزاعات العادية، وإنما تخضع للضمانات القضائية والقانونية المقررة.
وأضاف أن الوزارة تعمل على توعية الوسطاء والمحكمين بهذه الحدود، لمنع الدخول في مجالات لا يسمح القانون بالتعامل معها عبر الوسائل البديلة.
خطة لإعادة بناء منظومة العدالة
وفي ما يتعلق بمستقبل القضاء في غزة، كشف الزعيم أن وزارة العدل أعدت، بالتنسيق مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي، خطة لإعادة ترميم وإعادة بناء قطاع العدالة، وتم تقديمها إلى مجلس الوزراء.
وأشار إلى أن الخطة تتضمن مراحل مرتبطة بالتعافي والإنعاش وإعادة البناء، لافتاً إلى أن كلفتها التقديرية تتجاوز 750 مليون دولار لقطاع العدالة وحده، مع بقاء التحدي الأكبر في توفير التمويل وتنفيذ الخطة على الأرض.
وقال الزعيم إن الوزارة تعمل وفق خطط ديناميكية تراعي السيناريوهات المحتملة في غزة، في ظل استمرار الحرب وعدم وضوح الظروف السياسية والميدانية التي ستحدد توقيت وآليات إعادة بناء المؤسسات.
وأكد أن الأولويات في غزة متشابكة، من السكن والمياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمستشفيات إلى الشرطة والمحاكم، إلا أن إعادة بناء منظومة العدالة تبقى ضرورة لحماية حقوق المواطنين وتنظيم العلاقات وحسم النزاعات.
وختم وزير العدل بالتأكيد على أن تعزيز الوسائل البديلة لحل النزاعات لا يعني الاستغناء عن المحاكم، بل تخفيف الضغط عنها، وتقليل كلفة التقاضي على المواطنين، خصوصاً في ظل الاكتظاظ القضائي في الضفة الغربية والدمار الواسع الذي أصاب منظومة العدالة في قطاع غزة.