د.لمى صلاح تكتب لوطن: قلق على ورق

27/08/2026

 في عالم التربية وعلى مر السنين لم يحدث أن كانت هنالك فجوة بالانتقال من مرحلة لأخرى أكثر تقدماً بالاعتماد على فكرة مواكبة التطور والحداثة، حيث كان الانتقال أو بالأحرى التحول بشكل انسيابي تدرجي مقبول متسلسل ومرتبط بما سبقه، ممتد كأنه أذرع لجسد واحد أو أغصان لشجرة مثمرة واحدة.

كنا نحارب ونعالج الفجوة بين النظرية والتطبيق، بين ما يقال على مقاعد الدراسة وما سيحدث على أرض الواقع! لنجد حلولاً تربوية ملائمة ومرضية ومقنعة للجميع.
وأرض واقع اليوم أشد قسوة وأكثر غرابة تصل الى حد الصدمة!
صدمة طلبة مختلفون في كل تفاصيلهم الفكرية والثقافية والحياتية والنوعية،
طلبة بتوجهات وميول لا صلة لها بمن سبقوهم بضعة أعوام ولت من زمن ليس ببعيد.
من فعل كل هذا! وهل حقاً سهونا عنهم وتركنا الفجوة تكبر بيننا! هل تعليمنا ومصادرنا اصبحت لا تعجبهم! ( ماذا بعد! )
وجودنا في هذا الفضاء  التربوي مذ سنين كان يمدنا بالحماس والفرح مع كل تطور وتقدم تربوي تعليمي، ونشعر بالانسجام والتطور كالطفل الذي في كل يوم يكبر مع معرفة جديدة، أما الآن فمشاعر الغربة تسكننا والارهاق الفكري يعترينا مع الطلبة المختلفين من ناحية، ومع كل ما يدعون به من تطور تربوي وإضافة نوعية جديدة في عالم المناهج الفلسطينية من ناحية أخرى. 
والجدير قوله بأنه في عالم التربية ليس السر في التطور للأدوات، ولا حتى لكل أساليب التعلم والتعليم الحديثة وحتى النظريات التربوية ستفشل عندما تصطدم بطالب يعيش وكأنه في عالم آخر بعيد عن عالم معلمه وما يريده المعلم وينسجم مع فكر طالبه، ليصبح التعليم في المدرسة مجرد من كل أهدافه الأساسية معرفية أو وجدانية...الخ، ويصبح  مبتغاه عند الطالب النجاح فقط والحصول على معدل يرضي به محيطه وينقله لمستوى آخر.
ولأنها في غياب حُسن تطبيقها ستودي بعدد كبير من الطلبة خارج حد عتبة النجاح، وتجعلهم في عالم يشعرون به بالغرابة والغربة والوحدة مع محيط ليس لديهم المقدرة على الانسجام معه.
ورغم هذا كله كان يشعر الطالب عند حمل حقيبته المدرسية والتقاطه لكتابه المدرسي أنه ينتمي لهذا المكان. فهو يعلم هذا كتاب اللغة العربية وهذا معلمه وهذا كتاب الرياضيات وهذا معلمه وهكذا..... 
فالتعليم الناجح والحديث عليه أن يكون ذكي ويتعامل مع أقل الطلبة بالمستوى التعليمي ولا يرضى إلا أن يضع جميع الطلبة على عتبة النجاح الأولى، فكان الكتاب المدرسي اولاً؛ وبهجة الطلبة به وإثارة فضولهم واستطلاعهم الأولي ما سيثير فيما بعد شغفهم بتفاصيله، ويدخلنا وإياهم كمعلمين في محتواه. حيث يقوم الطلبة في مرحلة الدمج الجديدة هذه في بداية الفصل الدراسي بتدوين اسمه على صفحة الكتاب الاولى وكأنه يوثقه ويحفظ حقه وملكيته له.
فالكتاب المدرسي هو الرابط الاساسي، وهو الحبل السري فيما بين الطلبة ومدرستهم البيت الثاني لهم.
أذكر أنني رأيت في يوم شخصاً يجري مكالمة باستخدام الهاتف النقال الذي كان يستعمله لأول مرة، فيبعده عن مدى سمعه ويسأل آخر قريب عليه عما يتحدث به الشخص على جهة الاتصال الأخرى! ( هو يتصل دون تمييز التواصل) .
أذكر ذلك الطالب الذي كان ينظر عبر العدسة العينية للمجهر لمكونات الدم ويقول ارى دم ( يراه دون تمييز لمكوناته) ! لأنه شاهد المعلم وهو يضع نقطة دم.
تكمن فكرة هذه الأمثلة بأدوات حديثة ومتقدمة فشلت في إحداث تقدم مع شريحة معينة. بالرغم بأنها مدروسة ومحسوسة ومجربة.
لنعيد القول بأن أساس التعليم قد لا يكمن في أدوات متطورة وأفكار مولدة تتم اضافتها بحجة الظروف الاقتصادية والامكانيات المحدودة كما نسمع في هذه الايام من قول لا يقبله عقل أو ضمير تربوي.
قالعقل والضمير التربوي كما الأب لأبنائه يرفض أن ينقصهم أياً كان من متطلباتهم ولو كان على حساب نفسه.
ماذا تعني مصادر التعليم المفتوح وما الذي تهدف إليه! أوليست نفسها ما يسمى مصادر التعليم الاضافية  أو التعليم المساند للكتاب المدرسي الاساسي.
ماذا يعني ان تمتلأ حقيبة الطالب بمجموعة أوراق لا يميز بها المواد أو الموضوعات! فتصبح الحقيبة كملف ورق مبعثر على مر العام الدراسي!
ويصبح التعليم طائرات ورقية تترامى فوق رؤوس الطلبة. ( مشهد يستفز كل تربوي) !
والغريب في هذا الطرح المريب أن نرى من يحلل سلبياته وايجابياته، نقاط قوته وضعفه ويتناقشون بها ويصيغون لها المبررات. ( على حساب من!) .
وكلمة الحق في هذا المقام فرض واجب لكل من له صلة بعالم التربية وأولهم أولياء الأمور بأن الرفض ثم الرفض هي فقط الإجابة.
وما هو مطلوب لافتتاح عام دراسي جديد معالجة انتظام الدراسة بشكل يومي بالأخص لطلبة المرحلة الاساسية الأولى لغاية الصف الرابع الاساسي، عبر معالجة مشكلة توافر الكتب المدرسية لهم، ومعالجة رواتب معلمي هذه المرحلة على الأقل وكحد أدنى لإنقاذ أجيال قادمة يدعون لنا لا علينا.