يونس العموري يكتب لوطن: انتخابات الكنيست... اي اسرائيل ستخرج من الصندوق؟ وماذا ستفعل فلسطين؟

27/08/2026

 لا تدخل اسرائيل انتخابات الكنيست المقبلة وهي تسأل فقط من سيحكمها في السنوات القادمة. فالسؤال الذي يفرض نفسه يبدو اوسع واخطر .. اي اسرائيل تريد ان تكون؟ ذلك ان الانتخابات تأتي في لحظة لم يعد فيها ممكنا فصل الداخل الاسرائيلي عن صورته في العالم، ولا السياسة الداخلية عن الاحتلال، ولا مستقبل الحكومة عن المسألة الفلسطينية، ولا خيارات اسرائيل الاقليمية عن علاقاتها الدولية والعربية. اسرائيل تذهب الى الصندوق وهي تحمل معها اثقال مرحلة كاملة، مرحلة لم تعد ازمتها مقتصرة على خلاف بين نتنياهو وخصومه، وانما باتت تواجه اسئلة عن صورتها، ومكانتها، وخياراتها، ومستقبلها، وعن الثمن الذي بات يترتب على استمرار النهج الذي قادته الحكومة الحالية.

لقد تغير شيء جوهري في صورة اسرائيل خلال السنوات الاخيرة. الدولة التي اعتادت ان تقدم نفسها في كثير من العواصم باعتبارها دولة ديمقراطية محاطة بالاخطار، وتملك جيشا قويا وتدافع عن امنها، باتت تواجه صورة مختلفة بصورة متزايدة .. دولة احتلال تمارس القوة على نحو يصعب تبريره اخلاقيا وسياسيا وقانونيا، وسياسات توسع واستيطان وعنف للمستوطنين باتت تضعها في مواجهة متزايدة مع قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي. ولم تعد صورة اسرائيل في العالم مجرد مسألة اعلامية او معركة علاقات عامة، بل تحولت الى تحد سياسي ودبلوماسي واخلاقي يضغط على الدولة نفسها، وعلى علاقاتها مع حلفائها، وعلى قدرتها على الاستمرار في تقديم سياساتها باعتبارها مجرد دفاع عن الامن.
ولعل الاخطر من ذلك ان العدائية الاسرائيلية الظاهرة في محيطها لم تعد تفصل بسهولة عن صورة اسرائيل الدولية. فالدولة التي تريد ان تقدم نفسها باعتبارها قوة اقليمية مستقرة وقادرة على بناء علاقات وشراكات مع محيطها، تبدو في الوقت نفسه قوة عسكرية تتحرك في اكثر من اتجاه، وتخوض صراعات مفتوحة، وتبقي الاحتلال والاستيطان والتوسع في صلب سياساتها. وهذه المفارقة تضع اسرائيل امام سؤال لا تستطيع الانتخابات ان تتجاهله .. هل يمكن بناء اسرائيل اقليمية مستقرة ومندمجة في محيطها بينما تستمر في انتاج الصراع والعداء من حولها؟
من هنا تأتي اهمية الانتخابات المقبلة. فاسرائيل لا تذهب الى الصندوق وهي تبحث فقط عن حكومة جديدة، بل تبحث، بصورة مباشرة او غير مباشرة، عن مخرج من الكلفة التي راكمتها المرحلة الحالية. وهذه الكلفة ليست داخلية فقط. انها كلفة سياسية وامنية واخلاقية وقانونية ودبلوماسية واقليمية، تتزايد كلما بدا ان اسرائيل تتحرك باتجاه توسيع السيطرة والاحتلال والاستيطان بدلا من البحث عن صيغة جديدة للصراع.
وفي هذا السياق، يصبح الضغط المتزايد على بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم مفهوما بصورة مختلفة. فالمسألة لم تعد متعلقة بشخص نتنياهو وحده، وانما بما يمثله ائتلافه، وخصوصا القوى الدينية والقومية المتطرفة التي دفعت باتجاه مزيد من الاستيطان والسيطرة على الارض، ورفعت سقف الخطاب المتعلق بما يسمى ( ارض اسرائيل  الكبرى ). كما ان عنف المستوطنين، وما بات يرافقه من اتهامات للحكومة بالتساهل او التواطؤ او توفير الغطاء السياسي، تحول الى عبء لا تستطيع اسرائيل تجاهله، لانه لم يعد شأنا داخليا، بل اصبح جزءا من صورتها امام العالم.

وهنا تبدو ثمة ارادة دولية آخذة في التبلور باتجاه التخلص من صيغة الحكم الحالية، او على الاقل الضغط باتجاه تغييرها، ليس حبا في اسرائيل الجديدة، وانما لان استمرار نتنياهو وائتلافه، وخصوصا ارباب الصهيونية الدينية المتطرفة، بات بالنسبة الى كثير من العواصم اكثر كلفة واقل قابلية للاحتواء. لكن هذا الضغط الدولي لا يعني ان هناك قرارا دوليا يستطيع ان يفرض على الناخب الاسرائيلي من يختار، كما لا يعني ان رحيل نتنياهو سيكون بالضرورة انتصارا للرؤية الفلسطينية. المسألة اكثر تعقيدا من ذلك.
فنتنياهو ليس اسرائيل، لكنه في الوقت نفسه ليس ظاهرة منفصلة عن اسرائيل. هو نتاج تيار سياسي واجتماعي واسع، ونتاج منظومة يمين تراكمت قوتها عبر سنوات، ونتاج مخاوف امنية حقيقية داخل المجتمع الاسرائيلي، ونتاج صعود تيارات قومية ودينية ترى في السيطرة على الارض جزءا من مشروعها التاريخي. ولذلك فان رحيل نتنياهو، ان حدث، لا يعني بالضرورة رحيل النهج الذي مثله.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي .. ماذا سيأتي بعد نتنياهو؟ هل يأتي بديل يريد فقط اعادة ترتيب البيت الاسرائيلي، وتحسين صورة اسرائيل في العالم، وفتح قنوات اكثر هدوءا مع واشنطن واوروبا والعرب، مع الاحتفاظ بجوهر السيطرة على الفلسطينيين؟ ام ان اسرائيل ستذهب الى اعادة انتاج نفسها من خلال صيغة سياسية جديدة، تعيد فيها ترتيب علاقتها بالفلسطينيين، وتخفف من كلفة الاحتلال، وتحاول استعادة موقعها الدولي والاقليمي؟

هذه هي النقطة التي ينبغي عندها التوقف طويلا امام المنافسة الانتخابية. فصعود شخصيات جديدة، وخصوصا شخصيات ذات خلفيات عسكرية وامنية، لا يعني بالضرورة ان المجتمع الاسرائيلي يتجه الى اليسار او يبحث عن سلام بالمعنى الذي نفهمه نحن. ربما يكون العكس تماما .. قد يكون جزء من المجتمع الاسرائيلي يبحث عن تغيير في القيادة من داخل المنظومة نفسها، عن قيادة اكثر قدرة على ادارة القوة، واقل كلفة على اسرائيل في العالم، واكثر قدرة على اعادة بناء العلاقة مع الحلفاء...
ومن هنا فان المعارضة الاسرائيلية امام امتحان حقيقي. اسقاط نتنياهو شيء، وبناء بديل سياسي متماسك شيء آخر. قد تجتمع قوى واسعة على قاعدة  ( ضد نتنياهو ) ، لكن ماذا يجمعها بعده؟ هل تملك رؤية مختلفة لاسرائيل، ام انها تملك فقط رؤية مختلفة لادارة اسرائيل؟ وهذا هو الفارق بين تغيير الحكومة وتغيير الاتجاه.
قد تأتي حكومة جديدة اكثر هدوءا في خطابها، اكثر حرصا على واشنطن واوروبا، اكثر انضباطا في التعامل مع المستوطنين، واكثر حرصا على تحسين صورة اسرائيل في العالم، لكنها لا تكون مستعدة لتقديم اجابة مختلفة عن السؤال الفلسطيني. وقد يكون التغيير عندها في طريقة ادارة الاحتلال، لا في انهائه، وفي تحسين صورته، لا في التخلي عنه.
وهنا تدخل المسألة الفلسطينية الى قلب الانتخابات الاسرائيلية، حتى لو حاول المرشحون الهروب منها. فلا يمكن لاسرائيل ان تعيد تعريف موقعها في العالم وهي تترك القضية الفلسطينية معلقة، ولا يمكنها ان تبحث عن اندماج اقليمي واسع وعلاقات عربية اكثر استقرارا وعلاقة مريحة مع اوروبا والولايات المتحدة، بينما تتعامل مع الارض الفلسطينية بوصفها مساحة مفتوحة لمزيد من الاستيطان والضم والسيطرة.

ولهذا فان السؤال الاسرائيلي الحقيقي قد يكون اكثر عمقا من مجرد .. من يحكم؟ السؤال هو .. ماذا تريد اسرائيل؟ هل تريد اسرائيل ان تواصل السير نحو فرض سيطرتها على كامل المساحة من البحر الى النهر، وتحويل الاحتلال الى واقع دائم، وربما الى صيغة سياسية وقانونية لا تحتاج معها الى الاعتراف بوجود قضية فلسطينية قابلة للحل؟ هل تريد ان تبقي الفلسطيني تحت سيطرتها المباشرة او غير المباشرة، وان تجعل من الاحتلال نظاما دائما يعاد انتاجه باشكال مختلفة؟ ام انها تريد اعادة انتاج شيء جديد؟ شيء يعيد ترتيب العلاقة مع الفلسطينيين، ويخفف من الكلفة الدولية والاقليمية للاحتلال، ويحافظ في الوقت نفسه على المصالح الاسرائيلية الامنية والسياسية، ويفتح الطريق امام اسرائيل لتكون جزءا من ترتيبات اقليمية اوسع؟
هنا تصبح الانتخابات اختبارا لاسرائيل قبل ان تكون اختبارا لنتنياهو...  فاذا جاءت حكومة جديدة من قلب اليمين، او من تحالف اوسع تقوده شخصيات امنية وعسكرية، فقد يكون التغيير في الادارة اكثر منه في الاتجاه. اما اذا استطاعت قوى جديدة انتاج ائتلاف مختلف فعلا، فان السؤال عن البرنامج الذي ستحمله يصبح اهم من اسم رئيس الحكومة. لكن حتى في هذه الحالة، ينبغي الا نتسرع في اعتبار التغيير الاسرائيلي تغييرا في الموقف من الفلسطينيين. فهناك مساحات واسعة من التوافق الاسرائيلي تتجاوز نتنياهو، وتتعلق بالامن، والاحتلال، والاستيطان، والقدس، وطبيعة الدولة، وموقع الجيش، والخوف من المنطقة، والنظرة الى الفلسطيني باعتباره قضية امنية قبل ان يكون قضية سياسية وحقوقية...
وهنا تحديدا يجب ان نقرأ الانتخابات من موقع فلسطيني مختلف...  الفلسطيني ليس ناخبا في انتخابات الكنيست، لكنه ليس بعيدا عن نتائجها. هو يعيش في مساحة تتأثر بما تقرره صناديق الاقتراع الاسرائيلية، ويعرف ان الحكومة التي ستخرج منها ستحدد، بدرجة كبيرة، طبيعة السياسات التي سيتعامل معها في المرحلة المقبلة. ولهذا فمن الطبيعي ان يراقب الفلسطيني الانتخابات الاسرائيلية، وان يهتم بالخريطة الحزبية، وبموازين القوى، وباحتمالات سقوط نتنياهو او بقائه، وبهوية الائتلاف الذي يمكن ان يتشكل بعد الانتخابات...  لكن المراقبة شيء، والرهان شيء آخر...
وهنا ربما نكون امام واحد من اكثر الاسئلة حساسية في المشهد الفلسطيني .. ماذا ينتظر الفلسطينيون من الانتخابات الاسرائيلية؟ هل ينتظرون سقوط نتنياهو؟ هل يأملون في حكومة اقل تطرفا؟ هل يراهنون على قيادة اسرائيلية اكثر قدرة على التعامل مع المجتمع الدولي؟ هل ينتظرون عودة فكرة التسوية الى الواجهة؟ ام ان بعض هذا الانتظار ليس سوى محاولة للبحث عن مخرج فلسطيني من خلال صندوق انتخابي لا نملك نحن مفاتيحه؟  ليس خطأ ان نراقب اسرائيل. الخطأ ان ننتظر من اسرائيل ان تحل لنا اسئلتنا...  ولذلك فان الانتخابات الاسرائيلية يجب ان تقرأ فلسطينيا باعتبارها عاملا من عوامل البيئة السياسية التي نعيش فيها، لا باعتبارها قدرا يقرر وحده مستقبلنا. نعم، نتيجة الانتخابات الاسرائيلية مهمة، والحكومة التي ستخرج من الصندوق مهمة، واتجاهاتها ومواقفها تجاه الفلسطينيين والمنطقة والعالم مهمة، لكن كل ذلك لا ينبغي ان يتحول الى بديل عن السؤال الفلسطيني نفسه .. ماذا نريد نحن؟ وما الذي نريد ان نفعله امام كل احتمال اسرائيلي؟
وهنا تزداد اهمية المسألة مع حقيقة ان الانتخابات التشريعية الفلسطينية ستأتي بعد الانتخابات الاسرائيلية. فالفلسطيني سيدخل الى صندوقه وهو يعرف، او يفترض ان يكون قد عرف، اي اسرائيل خرجت من صندوقها. وهذه سابقة سياسية مهمة لا ينبغي المرور عليها باعتبارها مجرد ترتيب زمني للمواعيد... فما الذي سيحدث في الوعي الفلسطيني؟ هل ستصبح نتائج الانتخابات الاسرائيلية عاملا جديدا في الاختيار الفلسطيني؟ هل سيذهب البعض الى صندوقه وهو يبحث عن قوى يعتقد انها اكثر قدرة على مواجهة اسرائيل الجديدة؟ وهل ستستخدم بعض القوى الفلسطينية شكل الحكومة الاسرائيلية المقبلة في صياغة خطابها الانتخابي؟ ام ان الصندوق الفلسطيني سيبقى، كما يفترض، تعبيرا عن الاسئلة الفلسطينية الداخلية، وعن ازمة النظام السياسي، وعن المشروع الوطني، وعن معنى التمثيل، وعن شكل المرحلة المقبلة، قبل ان يكون ردة فعل على ما يحدث في اسرائيل؟ هذه الاسئلة لا تعني ان نفصل الانتخابات الفلسطينية عن البيئة الاسرائيلية. لا يمكن ذلك. لكنها تعني ان نفرق بين ان نعرف عدونا وان نترك له مهمة تحديد خياراتنا.
فاذا خرجت اسرائيل من الانتخابات اكثر يمينية، واكثر اندفاعا نحو الضم والاستيطان والسيطرة، فان الواقع الفلسطيني سيكون امام مرحلة اشد تعقيدا، وهذا يستوجب قراءة فلسطينية مختلفة، وربما خيارات اكثر وضوحا وقدرة على التعامل مع مرحلة جديدة. واذا خرجت اسرائيل بحكومة تبحث عن تخفيف الاحتكاك الدولي، واعادة بناء العلاقة مع اوروبا وواشنطن، وفتح المجال امام ترتيبات عربية واقليمية جديدة، فان ذلك ايضا لا يعني ان القضية الفلسطينية ستجد نفسها تلقائيا امام حل. بل ربما تصبح اكثر حضورا، لان اي محاولة لاعادة بناء موقع اسرائيل الاقليمي ستصطدم بالسؤال الفلسطيني عاجلا ام آجلا.
وهنا تحديدا تظهر اهمية التواصل العربي الاسرائيلي. فالعلاقات التي نشأت خلال السنوات الماضية بين اسرائيل وعدد من الدول العربية لا تستطيع ان تبقى منفصلة تماما عن المسألة الفلسطينية. قد تستمر المصالح، وقد تستمر الاتصالات، وقد تستمر الترتيبات الامنية والاقتصادية، لكن بناء منظومة اقليمية مستقرة ومقبولة يحتاج الى اكثر من المصالح المشتركة. يحتاج الى معالجة جذور الصراع، او على الاقل الى صيغة سياسية تمنع استمرار الانفجار بوصفه قاعدة دائمة في المنطقة. كما ان الحكومة الاسرائيلية المقبلة ستواجه سؤالا اميركيا واوروبيا مختلفا. هل تريد اسرائيل الاستمرار في اختبار حدود صبر حلفائها، ام تريد اعادة بناء العلاقة معهم؟ هل تريد ان تبقى في مواجهة متزايدة مع الرأي العام العالمي، ام تبحث عن استعادة جزء من الشرعية التي فقدتها؟ وهل تستطيع ان تفعل ذلك من دون ان تعيد النظر في سياساتها تجاه الفلسطينيين؟
وهنا ربما تكون المفارقة الكبرى في الانتخابات المقبلة .. اسرائيل قد تريد تغيير صورتها من دون تغيير واقعها. وهذا لن يكون سهلا، لان العالم لا يرى الصورة فقط، بل يرى الواقع الذي يصنع الصورة. الاحتلال موجود، والاستيطان موجود، وعنف المستوطنين موجود، والسيطرة على الارض موجودة، والمسألة الفلسطينية لم تختف، مهما حاولت السياسة الاسرائيلية اعادة تعريفها باعتبارها قضية امنية او مشكلة يمكن ادارتها الى ما لا نهاية... 
لكن في المقابل، على الفلسطيني ايضا ان يتوقف امام مفارقة اخرى .. لا ينبغي ان تتحول مراقبته للانتخابات الاسرائيلية الى حالة انتظار. لا ينبغي ان يبقى المشهد الفلسطيني معلقا على سؤال من سيفوز في اسرائيل، ولا ان تتحول ازمتنا الداخلية الى هامش تابع لازمة الحكومة الاسرائيلية. اسرائيل ستنتخب من يحكمها، وهذا حقها السياسي الداخلي، لكن الفلسطيني مطالب بان ينتخب من يعتقد انه قادر على تمثيل مصالحه ومشروعه ومستقبله، لا من يعتقد فقط انه سيكون اكثر ملاءمة للحكومة الاسرائيلية التي ستخرج من الصندوق.
فالانتخابات الفلسطينية ليست ردا على الانتخابات الاسرائيلية، كما ان الصندوق الفلسطيني لا ينبغي ان يكون مرآة للصندوق الاسرائيلي. لكل صندوق اسئلته، ولكل مجتمع حساباته، ولكل مرحلة مسؤولياتها. ومن هنا يجب ان تكون مراقبة الانتخابات الاسرائيلية جزءا من المعرفة الفلسطينية بالواقع، لا جزءا من صناعة الوهم الفلسطيني. نراقب لنفهم، لا لننتظر. نحلل لنستعد، لا لنراهن. نعرف من سيحكم اسرائيل، وما الذي يمكن ان يفعله، وما الذي لن يفعله، وما الذي يمكن ان يتغير وما الذي قد يبقى ثابتا، لكننا في النهاية لا نسلم له مفاتيح مستقبلنا...  فالانتخابات المقبلة ليست فقط معركة بين نتنياهو وخصومه، ولا بين الليكود والمعارضة، ولا بين اليمين والوسط. انها، في احد مستوياتها العميقة، معركة داخل اسرائيل على تعريف اسرائيل نفسها .. اي اسرائيل تريد؟ اسرائيل التي ترى في قوتها العسكرية وسيلة لفرض الامر الواقع والسيطرة على الارض؟ ام اسرائيل التي ترى ان بقاءها وقوتها ومكانتها تحتاج الى اعادة ترتيب علاقتها بالفلسطينيين والعالم والمنطقة؟ اسرائيل التي تريد من العرب علاقات ومصالح وتطبيعا، بينما تبقي المسألة الفلسطينية خارج الحساب؟ ام اسرائيل التي تدرك ان الاقليم لن يستقر طويلا على قاعدة تجاوز الفلسطينيين؟ اسرائيل التي تريد ان تكون دولة قوية في محيطها، ام دولة قوية ومقبولة في محيطها؟
هذه الاسئلة قد لا تجيب عنها صناديق الاقتراع بصورة مباشرة، لكنها ستكون حاضرة خلفها. وقد تستطيع اسرائيل تغيير حكومتها من دون ان تغير سياستها، وقد تغير بعض سياساتها من دون ان تغير رؤيتها للصراع، وقد تجد نفسها مضطرة الى تغيير الاثنين معا تحت ضغط الواقع الداخلي والدولي والاقليمي. ولهذا فان السؤال الذي ينبغي ان يبقى مفتوحا حتى ظهور النتائج ليس .. من سيصل الى رئاسة الحكومة؟ بل .. اي اسرائيل ستخرج من صندوق الاقتراع؟ لكن بالنسبة لنا، هناك سؤال اخر لا يقل اهمية، وربما هو الاكثر اهمية على الاطلاق .. ماذا سنفعل نحن امام اسرائيل التي ستخرج من الصندوق؟ 
هنا تحديدا يجب ان يتوقف الرهان... راقبوا انتخابات الكنيست، نعم... لكن لا تنتظروا منها ان تنتخب لكم مستقبلكم... لان مستقبل فلسطين لا ينبغي ان يكون نتيجة فرعية في صندوق اسرائيلي، ولا ان يكون رهينة لتبدل حكومة هنا او ائتلاف هناك. من حقنا ان نعرف اي اسرائيل ستخرج من الصندوق، ومن واجبنا ان نستعد لكل اسرائيل محتملة، لكن ما يجب الا ننساه هو ان لنا صندوقا ايضا، ولنا اسئلتنا ايضا، ولنا مسؤوليتنا ايضا...  فالاسرائيليون سيذهبون الى صندوقهم ليختاروا اسرائيل التي يريدونها، ونحن ذاهبون الى صندوقنا لاختيار من نريده ان يحمل عنا مسؤولية المرحلة. وبين الصندوقين مسافة زمنية قصيرة، لكنها تحمل سؤالا سياسيا كبيرا .. هل سنبقى نراقب ما تفعله اسرائيل بنا، ام نبدأ اخيرا في التفكير بما نريد نحن ان نفعله بانفسنا؟  ذلك هو السؤال الذي يتجاوز نتائج انتخابات الكنيست، ويتجاوز اسم رئيس الحكومة المقبلة، ويتجاوز شكل الائتلاف الاسرائيلي. وهو، في النهاية، السؤال الذي يجب ان يبقى حاضرا عندما يفتح الصندوق الفلسطيني ابوابه.