خالد فحل يكتب لوطن: حين تصبح العملة سلاحًا

20/08/2026

ليست أخطر الحروب تلك التي تُسمع فيها أصوات القذائف. أحيانًا تبدأ الحرب الحقيقية حين يصبح راتب الموظف مهددًا، وحين يخشى التاجر من وصول بضاعته، وحين يصبح تحويل المال من بنك إلى بنك مسألة سياسية.

ما يجري في الاقتصاد الفلسطيني اليوم يضعنا أمام هذا النوع من الحروب؛ حرب لا تحتاج إلى دبابة كي تصل إلى البيت، يكفيها قرار مصرفي.

التقارير الأخيرة حول احتمال قطع المصارف الإسرائيلية علاقاتها مع البنوك الفلسطينية تضع الاقتصاد الفلسطيني أمام اختبار بالغ الخطورة. فقد أعلنت إسرائيل أن مصرفي «ديسكاونت» و«هبوعليم» سيوقفان علاقاتهما مع البنوك الفلسطينية في سبتمبر وأكتوبر، وسط مخاوف إسرائيلية تتعلق بمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وفي المقابل، تؤكد سلطة النقد الفلسطينية أن منظومتها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تطورت خلال السنوات الماضية وفق المعايير الدولية.

لكن بعيدًا عن السجال السياسي، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: الفلسطيني هو من سيدفع الفاتورة.

عندما تقول سلطة النقد إن هذين المصرفين يعالجان نحو 51 مليار شيكل سنويًا من المعاملات المرتبطة بالسلطة الفلسطينية، وإن نحو 90% من التجارة الفلسطينية تمر عبر إسرائيل، فإننا لا نتحدث عن أرقام في تقرير اقتصادي؛ نحن نتحدث عن الخبز والوقود والدواء والكهرباء ورواتب الموظفين.

وهنا تكمن المفارقة.

اقتصاد كامل يستخدم الشيكل، ويتعامل عبر منظومة مصرفية مرتبطة بإسرائيل، ويعتمد على إسرائيل في جزء كبير من تجارته، ثم يُقال له اليوم: استعد لاحتمال أن تتغير قواعد اللعبة.

لكن هل يمكن ببساطة أن نستبدل الشيكل؟

في رأيي، لا.

استبدال العملة ليس تغيير صورة على ورقة نقدية. العملة اقتصاد وثقة واحتياطيات ونظام مصرفي وعلاقات دولية وآليات دفع وأسواق. والأهم أنها تحتاج إلى دولة تملك السيادة الكاملة على سياستها النقدية. أما أن تستبدل عملة وأنت لا تملك السيطرة الكاملة على حدودك وتدفقات تجارتك ومنافذك المالية، فذلك يعني أنك قد تنتقل من أزمة إلى أزمة أكبر.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نستبدل الشيكل؟

السؤال الأعمق هو: لماذا وصلنا أصلًا إلى مرحلة يمكن فيها لقرار مصرفي إسرائيلي أن يهز أركان الاقتصاد الفلسطيني؟

هذه هي المعضلة التي يجب أن نتحدث عنها.

لقد بُني الاقتصاد الفلسطيني خلال عقود في ظل قيود سياسية واقتصادية جعلته شديد الاعتماد على منظومة ليست فلسطينية بالكامل. واليوم تظهر هشاشة هذا البناء بأوضح صورها.

والأخطر أن البديل عن النظام المصرفي الرسمي قد يكون أسوأ. فحتى الجانب الإسرائيلي نفسه حذر من أن قطع العلاقات المصرفية قد يدفع إلى قنوات نقدية غير منظمة، بما قد يزيد مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب بدل الحد منها.

أي أننا أمام مفارقة أخرى:

قطع الشريان المصرفي بحجة حماية النظام المالي قد يدفع الناس إلى البحث عن شرايين غير رسمية.

وهنا يجب أن تكون سلطة النقد والحكومة الفلسطينية أمام مسؤولية تاريخية، لا مجرد إدارة أزمة مؤقتة.

نحتاج إلى خطة طوارئ حقيقية، لا بيانات تطمين.

نحتاج إلى تنويع العلاقات المصرفية، وتوسيع قنوات التحويل الدولية، وتقليل الاعتماد على قناة واحدة، وبناء بدائل للدفع والتجارة، وحماية أموال المودعين، وطمأنة الناس بشفافية كاملة.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا يتحول الحديث عن احتمال استبدال الشيكل إلى مادة للهلع الشعبي.

فالناس في الضفة لا يحتاجون إلى شائعة جديدة فوق أزماتهم. يحتاجون إلى إجابة واضحة: ماذا سيحدث لأموالهم؟ ماذا سيحدث لرواتبهم؟ كيف ستصل البضائع؟ وكيف ستعمل البنوك إذا انقطعت هذه العلاقات؟

المواطن لا يريد درسًا في الاقتصاد النقدي.

يريد أن يعرف هل سيستطيع غدًا أن يسحب راتبه، وأن يشتري خبزه، وأن يدفع فاتورة الكهرباء.

وهذا هو جوهر المسألة.

لقد اعتدنا في فلسطين أن نتعامل مع الأزمات بعد وقوعها. ننتظر حتى ينقطع الطريق ثم نبحث عن طريق بديل، وننتظر حتى تتأخر الرواتب ثم نبحث عن المال، وننتظر حتى تُغلق الحدود ثم نتساءل عن التجارة.

لكن الاقتصاد لا يحتمل سياسة الانتظار.

العملة ليست مجرد شيكل أو دينار أو دولار. العملة سيادة.

وحين تكون عملتك مرتبطة بمنظومة لا تملك قرارها بالكامل، تصبح السيادة الاقتصادية ناقصة، ويصبح اقتصادك معرضًا لأن يتحول إلى رهينة للقرار السياسي.

لهذا، ربما يكون أخطر ما كشفته الأزمة الحالية ليس احتمال تغيير الشيكل، بل حقيقة أننا لم نبنِ حتى الآن البديل الاقتصادي الذي يجعل أي تغيير ممكنًا دون أن يتحول إلى كارثة.

والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم، قبل أن تُغلق النافذة التي تحدث عنها محافظ سلطة النقد، ليس:

بماذا سنستبدل الشيكل؟

بل:

كيف نبني اقتصادًا لا يستطيع أحد أن يضع يده على شريانه ثم ينتظر منا أن نبقى واقفين؟