
لن تكون الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة مجرد استحقاق انتخابي طال انتظاره، ولا مجرد منافسة بين فتح وحماس على مقاعد المجلس التشريعي. فالانتخابات، اذا جرت في موعدها، تأتي في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، بعد سنوات طويلة من الانقسام والحروب والازمات وتراجع الثقة بالقوى السياسية، وفي ظل انهيار واضح للمنظومة السياسية التي ولدت من رحم اتفاق اوسلو. وهنا تبدأ المفارقة الكبرى .. كيف يمكن اجراء انتخابات يفترض انها تعيد بناء الشرعية الفلسطينية، بينما تجري وفق منظومة سياسية فقدت كثيرا من مقومات وجودها، واصبح اوسلو نفسه، في الواقع السياسي الفلسطيني، اقرب الى اطار منهار منه الى مشروع قابل للحياة...؟
المسألة هنا ليست رفض الانتخابات باعتبارها ممارسة ديمقراطية، ولا التقليل من حق الفلسطيني في اختيار ممثليه، وانما طرح السؤال الذي يبدو ان الجميع يتجنبه .. ماذا ننتخب بالضبط؟ وما الذي سيغيره مجلس تشريعي جديد اذا بقيت البنية السياسية التي تحكمه هي ذاتها؟ فالمجلس التشريعي ليس مؤسسة قائمة خارج السياق، بل هو جزء من البنية التي انشأتها اوسلو. ولذلك فان الذهاب الى الانتخابات دون فتح نقاش جدي حول طبيعة النظام السياسي الذي نريد بناءه، وموقع السلطة ومنظمة التحرير والمقاومة في هذا النظام، قد يعني في نهاية المطاف انتخاب مجلس جديد داخل اطار سياسي قديم، حتى لو تغيرت الوجوه والاسماء والكتل...
والاكثر اثارة للتساؤل ان قوى فلسطينية عارضت اوسلو لسنوات، واعتبرته اطارا لا يلبي الحد الادنى من الحقوق الوطنية، تجد نفسها اليوم ذاهبة الى انتخابات تقوم على مؤسسات وقواعد انبثقت من ذلك الاطار. وهنا لا بد من طرح السؤال على المعارضة قبل غيرها .. ماذا بقي من معارضتها لاوسلو اذا كانت تقبل الان بالاحتكام الى ترتيباته السياسية والمؤسساتية ..؟ وهل المشاركة في الانتخابات محاولة لتغيير المنظومة من داخلها، ام ان المنظومة نجحت في استيعاب معارضيها وتحويلهم من قوى ترفضها الى قوى تتنافس على مقاعدها ..؟
هذه المفارقة لا تخص حماس وحدها، وانما تشمل ايضا قوى اليسار الفلسطيني وقوى اخرى طالما رفعت شعارات تجاوز اوسلو واعادة بناء النظام السياسي على اسس وطنية جديدة. فالانتقال من رفض المنظومة الى المشاركة في مؤسساتها يحتاج الى اجابة سياسية واضحة .. هل تغيرت المواقف فعلا، ام ان الضرورات الانتخابية فرضت على الجميع القبول بما كانوا يرفضونه؟ والسؤال هنا ليس اتهاما لاحد بقدر ما هو محاولة لفهم التحول السياسي الذي يجري امامنا... ومع ذلك، فان الانتخابات اذا جرت ستصبح واقعا سياسيا لا يمكن تجاهله، وسيكون من الضروري قراءة ما ستنتجه من قوائم وتحالفات وموازين قوى. وفي هذا الجانب سيكون السؤال الاول هو نسبة المشاركة. فالناخب الفلسطيني لا يدخل هذه الانتخابات كما دخل انتخابات 2006. هناك جيل كامل لم يعش التجربة السابقة، وهناك جمهور فقد ثقته بالقوى السياسية، وهناك غضب واسع من ادارة الشأن العام والانقسام والفساد والجمود السياسي. ولذلك قد تكون المشاركة نفسها رسالة سياسية .. من يذهب الى الصندوق قد يكون ذاهبا بحثا عن تغيير، ومن يقاطعه قد يكون يقول ان المشكلة اكبر من صندوق الاقتراع... لكن انخفاض المشاركة لن يعني بالضرورة سقوط القوى التقليدية. على العكس، قد يخدم القوى الاكثر تنظيما وامتلاكا لقواعد انتخابية ثابتة. ولهذا فان السؤال الحقيقي لن يكون فقط ..كم ستكون نسبة المشاركة؟ بل .. هل يستطيع الغاضبون تحويل غضبهم
الى اصوات؟ وهل سيعاقب الشعب فتح وحماس معا، ام سيعاقب احدهما لمصلحة الاخر، ام سيبحث عن بديل ثالث ..؟
هنا تصل المعركة الى فتح، وهي ربما القوة التي تواجه اكثر من امتحان في آن واحد. فتح لا تدخل الانتخابات في مواجهة حماس فقط، وانما تدخلها وهي تحمل ازمتها الداخلية معها. فمعركة تشكيل القائمة الرسمية لن تكون مجرد عملية اختيار مرشحين، بل ستكون معركة على النفوذ ومستقبل الحركة ومن يملك حق تعريف فتح في المرحلة المقبلة. هل ستكون القائمة تعبيرا عن القيادة، ام عن القاعدة التنظيمية، ام عن مراكز القوى، ام عن محاولة لاعادة ترتيب البيت الفتحاوي قبل الذهاب الى الانتخابات ..؟ الخطر الاكبر على فتح ان تنجح في تشكيل قائمة رسمية موحدة على الورق، لكنها تفشل في توحيد البيئة الفتحاوية انتخابيا. فالقرار التنظيمي يستطيع ان يفرض اسماء، لكنه لا يستطيع ان يفرض الاصوات. واذا شعر عدد من القيادات والكوادر والشخصيات الفتحاوية بالاقصاء، او رأوا ان القائمة تعكس موازين القوى داخل القيادة اكثر مما تعكس الوزن الشعبي والتنظيمي، فقد تظهر قوائم اخرى من داخل البيئة الفتحاوية نفسها، بعضها مستقل في الاسم، وبعضها وطني في العنوان، لكنها في جوهرها تستند الى قواعد فتحاوية غاضبة... وهنا قد تتحول المشكلة الى استنزاف داخلي خطير. فحماس تنافس فتح من خارجها، اما القوائم الفتحاوية المنافسة فتأخذ من الخزان نفسه. وفي ظل التمثيل النسبي، قد لا تحتاج هذه القوائم الى الفوز الكبير حتى تحدث اثرا سياسيا، يكفي ان تسحب من القائمة الرسمية نسبة من الاصوات كانت محسوبة عليها تقليديا. ولذلك قد يكون السؤال الاكثر قسوة على فتح ليس .. هل ستخسر امام حماس؟ بل .. هل ستنجح في منع نفسها من التشتت ..؟ وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل تيار محمد دحلان. فدخوله الانتخابات بقائمة مباشرة سيكون مواجهة واضحة مع فتح الرسمية، لكن الاخطر ان ينجح في بناء قائمة وطنية واسعة تضم شخصيات مستقلة ووجوها اجتماعية وشبابية وشخصيات ذات جذور فتحاوية وقوى سياسية اخرى. عندها لن تكون المعركة بين فتح ودحلان، بل بين القائمة الرسمية وبين عنوان ثالث يستطيع ان يستقطب فتحاويا غاضبا ومستقلا لا يريد التصويت لحماس ولا يريد منح القائمة الرسمية صوته. لكن نجاح مثل هذه القائمة سيتوقف على قدرتها على تجاوز اسم دحلان نفسه وتقديم مشروع سياسي حقيقي. فاذا بدت مجرد قائمة دحلان بواجهة وطنية، ستبقى قدرتها محدودة. اما اذا نجحت في تقديم نفسها باعتبارها قائمة تغيير وطنية، فقد تصبح واحدة من اهم مفاجآت الانتخابات.
وفي الجهة المقابلة، تحاول حماس توسيع اطار مشاركتها من خلال الحديث عن ائتلاف وطني واسع. وهذه خطوة مفهومة انتخابيا وسياسيا، لان الحركة تدرك ان خوض الانتخابات بقائمة حزبية صرفة قد يجعلها امام استفتاء مباشر على تجربتها في الحكم والانقسام والحرب، بينما يمكن للقائمة الواسعة ان تفتح امامها مساحات اكبر لدى المستقلين والقوى الوطنية. لكن هذا الخيار يضع حماس امام سؤال اخر .. هل الائتلاف شراكة حقيقية، ام مجرد غطاء انتخابي؟ وهل تستطيع الحركة الانتقال من منطق التنظيم الى منطق الشراكة السياسية؟
وهنا تظهر ازمة اليسار الفلسطيني. فاليسار يملك رصيدا تاريخيا ووطنيا وفكريا كبيرا، لكنه فقد كثيرا من حضوره الشعبي، ولم ينجح طوال السنوات الماضية في تحويل هذا الرصيد الى قوة سياسية ثالثة. الانتخابات يمكن ان تمنحه فرصة نادرة اذا استطاع توحيد صفوفه، وتشكيل قائمة تتجاوز حدود الفصائل وتضم مستقلين وشبابا وشخصيات اجتماعية ونقابية واكاديمية. لكنه اذا عاد الى منطق توزيع المقاعد بين الفصائل، فسوف يدخل الانتخابات ليؤكد ازمته بدلا من تجاوزها... والامر نفسه ينطبق على فكرة قائمة باسم منظمة التحرير الفلسطينية او قائمة وطنية تضم القوى
المنضوية فيها. قد تكون هذه الصيغة فرصة للقوى الصغيرة والمتوسطة حتى لا تتبعثر اصواتها، لكنها قد تتحول الى مجرد وسيلة لانقاذ الفصائل من التراجع اذا لم تقدم مشروعا سياسيا جديدا. اسم منظمة التحرير وحده لم يعد كافيا. السؤال الذي سيطرحه الناخب هو .. ماذا تمثل هذه القائمة؟ هل هي اعادة بناء للمشروع الوطني، ام اعادة توزيع للمقاعد بين القوى القديمة؟
وهكذا يمكن ان نشهد انتخابات شديدة التعقيد من حيث شكل القوائم .. قائمة فتح الرسمية، وربما قوائم فتحاوية اخرى، وائتلاف واسع تقوده حماس، وقائمة وطنية محتملة مرتبطة بتيار دحلان، وقائمة تجمع قوى منظمة التحرير، وقوائم يسارية ومستقلة وشخصيات اجتماعية. وقد تظهر ايضا تحالفات عابرة للانتماءات التقليدية، تجمع فتحاويين ومستقلين ويساريين وشخصيات وطنية في محاولة لبناء كتلة ثالثة...
لكن المفارقة ان كل هذه المعركة قد تكون في النهاية معركة على ادارة منظومة سياسية لا معركة على تغييرها. قد يتنافس الجميع على المقاعد، وعلى ترتيب الاسماء، وعلى من يصبح القوة الاولى والثانية والثالثة، بينما يبقى السؤال المركزي معلقا .. ماذا بعد الانتخابات؟ هل سيعاد بناء النظام السياسي الفلسطيني على اساس وطني جديد، ام سيعاد تشغيل المؤسسات القديمة بالوجوه الجديدة نفسها؟
ومن هنا فان الانتخابات قد تصبح، من حيث لا تريد القوى المشاركة فيها، اختبارا للمعارضة الفلسطينية نفسها. فالقوى التي عارضت اوسلو مطالبة اليوم بتفسير معنى مشاركتها في انتخابات تقوم على ترتيبات نشأت منه. ولا يكفي القول ان الانتخابات فرصة للتغيير من الداخل، بل يجب ان نعرف .. تغيير ماذا؟ وهل يمكن فعلا تغيير المنظومة من داخل مؤسسات صممت في سياق سياسي مختلف تماما، من دون ان يتحول هذا الدخول نفسه الى اعتراف ضمني باستمرار ذلك السياق؟
ربما لهذا السبب ستكون قيمة الانتخابات السياسية اكبر من نتائجها الانتخابية. فاذا كانت مجرد عملية لاعادة انتاج المجلس التشريعي وتوزيع المقاعد بين فتح وحماس ودحلان واليسار والمستقلين، فانها لن تكون اكثر من تدوير للازمة. اما اذا فتحت الطريق لنقاش اعمق حول طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وموقع السلطة، ودور منظمة التحرير، ومستقبل المقاومة، والعلاقة مع الاحتلال، وكيفية الخروج من ارث اوسلو، فحينها يمكن ان يكون للانتخابات معنى يتجاوز الصندوق.
وفي تقديري، فان الخريطة الاقرب هي مجلس اكثر تعددا، تبقى فيه فتح وحماس القوتين الاكبر، لكن مع تراجع احتكارهما للمشهد، وصعود قوائم وكتل اخرى يمكن ان تصبح حاسمة في تشكيل التحالفات. وقد تكون الكتلة الثالثة، حتى لو لم تكن الاكبر، هي صاحبة الدور الاكثر اهمية. لكن هذا كله يبقى في مستوى الحسابات الانتخابية، بينما السؤال السياسي الاكبر سيظل قائما.
فما جدوى ان ننتخب مجلسا جديدا اذا كنا لا نملك شجاعة السؤال عن النظام الذي ننتخبه؟ وما جدوى ان تتصارع فتح وحماس ودحلان واليسار والمستقلون على المقاعد، اذا كان الصراع الحقيقي يجب ان يكون على اعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بعد سقوط الاطار الذي ولد منه هذا المجلس؟
قد يذهب الفلسطيني الى صندوق الاقتراع ليعاقب فتح، او ليعاقب حماس، او ليمنح فرصة لقائمة ثالثة، وقد يقاطع الانتخابات احتجاجا على منظومة لا يرى فيها جدوى. لكن الاختبار الاهم لن
يكون من يحصل على العدد الاكبر من المقاعد، بل ما اذا كانت القوى الفلسطينية ستدرك ان المشكلة لم تعد فقط في توزيع السلطة، وانما في تعريفها نفسها.
فالخطر الحقيقي ليس ان يفوز هذا الطرف او يخسر ذاك. الخطر ان ننتخب مجلسا جديدا ونكتشف بعد اعلان النتائج اننا لم نغير شيئا سوى الاسماء. عندها ستكون الانتخابات قد نجحت في اعادة انتاج الماضي، لا في فتح الطريق نحو المستقبل. أما السؤال الذي يجب ان يسبق الصندوق، وسيبقى قائما بعده، فهو .. هل نذهب الى الانتخابات لتغيير النظام السياسي الفلسطيني، ام نذهب فقط لاعادة انتاج نظام اوسلو بعد ان انهار ..؟؟