برك سليمان.. إرث فلسطيني يواجه أطماع الاستيطان

18/08/2026

وطن للأنباء: جنوب مدينة بيت لحم، وبالقرب من قرية أرطاس وبلدة الخضر، تقع برك سليمان التاريخية، أحد أبرز المعالم الأثرية والطبيعية في فلسطين، والتي تشكل جزءًا من منظومة مائية تاريخية ارتبطت بتزويد مدينتي بيت لحم والقدس بالمياه على مدى قرون.

وتتكون برك سليمان من ثلاث برك مائية ضخمة ومتجاورة، كانت تستقبل مياه الأمطار والينابيع عبر شبكة من القنوات، ضمن نظام هندسي مائي متطور يعود إلى عصور تاريخية قديمة، وتطوّر على مراحل زمنية متعاقبة. وتشير المصادر السياحية الفلسطينية إلى أن البركتين العليا والوسطى تعودان إلى العصور القديمة، فيما أُنشئت البركة السفلى في العصر المملوكي، قبل أن تشهد المنظومة أعمال ترميم وتطوير في العهد العثماني.

ويحيط بالموقع عدد من المعالم التاريخية والطبيعية، إلى جانب المساحات الخضراء والأشجار، ما جعله على مدار سنوات مقصدًا للسكان والزوار، ومتنفسًا طبيعيًا وثقافيًا لسكان بيت لحم والمناطق المحيطة بها.

ويقول رئيس مجلس قروي أرطاس، جميل ربايعة، لوطن للأنباء، إن أراضي برك سليمان تُعد من أراضي الوقف الإسلامي التابعة لأراضي بلدة أرطاس، وتبلغ مساحتها نحو 250 دونمًا، مشيرًا إلى أن المنطقة ومحيطها يشهدان، خلال الفترة الأخيرة، تصاعدًا في الاعتداءات والاقتحامات من قبل المستوطنين بحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي.

ويضيف فادي سند، رئيس مجلس إدارة مركز أرطاس للتراث الشعبي الفلسطيني، لوطن للأنباء، أن برك سليمان تمثل محورًا رئيسيًا لمجموعة من المواقع الحضارية والأثرية المنتشرة في أرطاس والخضر، من بينها خربة إيتام الكنعانية، ودير البنات البيزنطي، وقناة بيلاطس الرومانية.

ويؤكد سند أن أهمية برك سليمان لا تقتصر على كونها موقعًا أثريًا، بل تتجاوز ذلك إلى كونها جزءًا أساسيًا من الهوية التاريخية والثقافية للمكان، مضيفًا أن ما تبقى من الموقع يمثل، بالنسبة للسكان، مساحة مهمة للحفاظ على حضورهم وارتباطهم بأرضهم وتراثهم.

في السنوات الأخيرة، تصاعدت المخاوف الفلسطينية من محاولات السيطرة على منطقة برك سليمان، في ظل توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية المحيطة بها، وما رافق ذلك من اقتحامات ومضايقات تستهدف الموقع وزواره.

ويقول الباحث في شؤون الجدار والاستيطان، حسن بريجية، لوطن للأنباء، إن ما يجري في برك سليمان يندرج ضمن ما يصفه باستراتيجية استيطانية ممنهجة، تتخذ أشكالًا متعددة، من بينها الاستيطان الزراعي والرعوي والسياحي.

ويضيف أن الاستيطان السياحي يشكل إحدى الآليات المستخدمة، بحسب رأيه، للسيطرة التدريجية على الأرض، موضحًا أن استهداف المواقع التاريخية والأثرية لا ينفصل عن محاولات فرض السيطرة على الأراضي المحيطة بها.

ويشير بريجية إلى أن هذه السياسة لا تقتصر على برك سليمان، وإنما تظهر، وفق قوله، في عدد من المواقع التاريخية والدينية الفلسطينية، معتبرًا أن السيطرة على الموقع الأثري تعني عمليًا السيطرة على الأرض المحيطة به وفرض أمر واقع جديد.

ويرى فادي سند أن المستوطنين يسعون إلى فرض واقع جديد في منطقة برك سليمان من خلال ما يصفه بـ"تقسيم الزمان والمكان"، على غرار ما يحدث في مواقع دينية وتاريخية أخرى.

ويقول إن المستوطنين يقتحمون المنطقة خلال ساعات الصباح، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات تحد من قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى الموقع والاستفادة منه، وتحوّل المكان تدريجيًا إلى منطقة تخضع لقيود مفروضة على حركة المواطنين، ومحاولة لتقسيم المكان زمانيا مثلما يحدث في المسجد الأقصة والحرم الإبراهيمي.

ويضيف سند أن خطورة هذه الممارسات تكمن في أنها لا تستهدف الحاضر فحسب، وإنما تهدد مستقبل الموقع باعتباره مساحة عامة وموروثًا تاريخيًا وثقافيًا فلسطينيًا.

من جهته، يقول جميل ربايعة إن المواطنين يتعرضون، خلال وجود المستوطنين وقوات الاحتلال في المنطقة، لتهديدات مباشرة تدعوهم إلى مغادرة الموقع وعدم العودة إليه.

ويؤكد أن هذه الممارسات تثير مخاوف حقيقية من محاولة فرض السيطرة على برك سليمان بصورة تدريجية، من خلال منع الفلسطينيين من الوصول إليها وتحويل الوجود الاستيطاني إلى أمر واقع.

ويشير حسن بريجية إلى أن برك سليمان تقع، وفق التصنيف الوارد في اتفاقيات أوسلو، ضمن المناطق المصنفة "أ"، والتي تخضع للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية، معتبرًا أن ذلك يعزز، من وجهة نظره، أهمية الحفاظ على الموقع ومنع أي إجراءات تستهدف السيطرة عليه.

ويشدد على أن برك سليمان تمثل جزءًا أصيلًا من التراث الفلسطيني، وأن استهداف المواقع التاريخية والأثرية يهدد ليس فقط الحجر والمكان، وإنما الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية للشعب الفلسطيني.

ولا تقتصر أهمية برك سليمان على قيمتها التاريخية، إذ تمثل المنطقة أيضًا مساحة طبيعية وسياحية مهمة لسكان بيت لحم والمناطق المحيطة بها. وتؤكد مصادر فلسطينية رسمية وسياحية أهمية الموقع بوصفه جزءًا من التراث الطبيعي والثقافي للمنطقة، كما تبرز الخطط المحلية الحاجة إلى إعادة تأهيله وتطويره والحفاظ على قيمته التاريخية والسياحية.

ويقول رئيس مجلس قروي أرطاس، جميل ربايعة، إن برك سليمان تشكل متنفسًا طبيعيًا مهمًا لسكان بيت لحم وفلسطين والقدس وللزوار القادمين إلى المنطقة، مؤكدًا أن حماية الموقع تتطلب توفير الخدمات والمرافق اللازمة وتعزيز حضور المواطنين فيه.

ويشير إلى أن المجلس، بالتعاون مع الجهات الحكومية المختصة ووزارة السياحة والآثار، يعمل على دعم الجهود الرامية إلى الحفاظ على برك سليمان وتعزيز مكانتها، بما في ذلك الجهود المتعلقة بإدراج الموقع ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.

ويؤكد أن بقاء المواطنين في أرضهم وحضورهم في الموقع يشكلان عنصرين أساسيين في حماية المنطقة والحفاظ على طابعها الفلسطيني.


ويشدد حسن بريجية على أن الدفاع عن المواقع التاريخية والطبيعية يرتبط، بالنسبة للفلسطينيين، بالدفاع عن الأرض والوجود والهوية، قائلًا إن الأرض تمثل الدولة والحلم والمستقبل، وإن الحفاظ عليها هو مسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

وبينما تتواصل المخاوف الفلسطينية من تصاعد الاقتحامات ومحاولات فرض السيطرة على الموقع، يتمسك أهالي المنطقة والمسؤولون المحليون بضرورة حماية برك سليمان والحفاظ عليها باعتبارها إرثًا تاريخيًا وبيئيًا وثقافيًا فلسطينيًا.

فبرك سليمان ليست مجرد ثلاثة أحواض مائية قديمة، بل شاهد على تاريخ طويل من التطور الحضاري والهندسي في فلسطين، وجزء من منظومة مائية امتدت لعشرات الكيلومترات وربطت مصادر المياه بمدينتي بيت لحم والقدس.

يعتبر القانون الدولي حماية المواقع التاريخية والأثرية والبيئية التزاماً قانونياً ملزماً للدول في أوقات السلم والنزاعات المسلحة، من خلال اتفاقيات دولية رئيسية تشرف عليها منظمات عالمية مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).