
ثمة ضربات لا تُقاس بعدد القتلى ولا بحجم الخسائر العسكرية، ولا تُسمع لها انفجارات، لكنها قد تكون في حساب التاريخ أكثر إيلاماً من كثير من الضربات العسكرية. واحدة من هذه الضربات تلقتها إسرائيل في المكان الذي ربما لم تتوقع أن يأتيها منه الألم: بولندا، البلد الذي يحتل موقعاً بالغ الحساسية في الذاكرة اليهودية الأوروبية، والذي كان قبل الحرب العالمية الثانية موطناً لواحد من أكبر التجمعات اليهودية في العالم، ثم تحولت أراضيه تحت الاحتلال النازي إلى مسرح لأفظع جرائم المحرقة.
شاهدت في وسائل التواصل مقطع فيديو للنائب في البرلمان البولندي كونراد بيركوفيتش، يرفع في قاعة البرلمان في وارسوعلماً إسرائيلياً استبدلت فيه نجمة داود بالصليب المعقوف، ووصف إسرائيل بأنها "الرايخ الثالث الجديد". هذه الواقعة أثارت عاصفة من الاعتراضات داخل البرلمان وخارجه. لكن القضية بالنسبة لي، كفلسطيني عاش الاحتلال ولا يزال يرى نتائجه كل يوم، ليست الدفاع عن هذا التشبيه ولا الدخول في مسابقة بين المآسي، وإنما طرح سؤال أكثر أهمية: كيف وصلت إسرائيل إلى اللحظة التي أصبح فيها مثل هذا المشهد ممكناً داخل البرلمان البولندي نفسه؟
فالمشكلة التي تواجه إسرائيل اليوم ليست في نائب بولندي واحد، ولا في علم استفزازي رفع لبضع دقائق، بل في شيء أعمق: أن الرواية التي قدمت إسرائيل لعقود طويلة باعتبارها الامتداد السياسي لشعب تعرض لأفظع اضطهاد أوروبي، ومنحتها بذلك رصيداً أخلاقياً استثنائياً في الغرب، بدأت تتعرض لاهتزاز غير مسبوق.
ولست كفلسطيني بحاجة إلى حادثة في البرلمان البولندي لكي أعرف طبيعة الدولة التي أعيش تحت احتلالها. نحن لا نقرأ الاحتلال في الكتب ولا نشاهده في نشرات الأخبار. نعيشه على الحاجز العسكري، وفي الأرض التي يصادرها الاستيطان، وفي الطرق التي يستطيع المستوطن استخدامها ولا استطيع انا وغيري من الفلسطينيين المرور فيها بحرية، وفي منزل مهدد بالهدم، وفي قرية تتقلص أراضيها عاماً بعد عام، وفي تصريح يمنحك الاحتلال إياه كي تنتقل بين مدينتين من وطنك.
هذه ليست استعارات سياسية، بل منظومة سيطرة.
وحين نصف هذه المنظومة بأنها أبارتهايد، فنحن لم نعد وحدنا من يستخدم المصطلح. منظمة العفو الدولية خلصت، بعد تحقيق موسع، إلى أن إسرائيل تفرض منظومة من الهيمنة والاضطهاد على الفلسطينيين، وحددت من عناصرها التجزئة الإقليمية والفصل والسيطرة ومصادرة الأراضي والممتلكات والقيود على الحركة والحقوق. وسبقتها أو تلاقت معها في توصيفات مشابهة منظمات دولية وإسرائيلية، بينها "هيومن رايتس ووتش" و"بتسيلم" و"يش دين".
إذن، ما يراه الأوروبي اليوم متأخراً، عاشه الفلسطيني منذ عقود.
الجديد ليس الاحتلال، ولا الاستيطان، ولا الاقتلاع. الجديد أن صور هذه الممارسات أصبحت تدخل البيوت الأوروبية يومياً، وأن حرب غزة كسرت جزءاً مهماً من الجدار الذي كان يفصل بين الذاكرة التاريخية الأوروبية عن اضطهاد اليهود وبين الحاضر الفلسطيني.
وهنا تحديداً تكمن الأزمة الإسرائيلية.
لقد نجحت إسرائيل طويلاً في بناء علاقة خاصة مع أوروبا، لا تقوم على المصالح وحدها، وإنما على الذاكرة أيضاً. كان هناك دائماً استدعاء للمحرقة ولاضطهاد اليهود الأوروبيين وللحاجة إلى ملاذ آمن لهم، وتحولت حماية إسرائيل، خصوصاً في دول مثل ألمانيا، إلى ما يشبه الالتزام الأخلاقي المتصل بالتكفير عن الجريمة الأوروبية بحق اليهود.
لكن الفلسطيني لم يكن شريكاً في ارتكاب تلك الجريمة.
لم يكن الفلسطيني هو الذي بنى أوشفيتز، ولا الذي سن قوانين نورمبرغ، ولا الذي اضطهد اليهود في غيتوات أوروبا، ومع ذلك وجد نفسه يدفع جزءاً كبيراً من فاتورة الذنب الأوروبي.
وهذه واحدة من أكثر مفارقات التاريخ قسوة: أن أوروبا اضطهدت اليهود، ثم أقيم المشروع الصهيوني في فلسطين، ثم أصبح على الفلسطيني أن يتحمل نتائج محاولة أوروبا معالجة جرحها التاريخي.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم ليس سقوط ذاكرة المحرقة، ولا ينبغي أن يكون كذلك. فالمحرقة جريمة تاريخية كبرى لا يجوز إنكارها أو التقليل منها أو استخدامها بخفة في السجال السياسي. الذي يسقط تدريجياً هو استخدام هذه الذاكرة باعتبارها حصانة دائمة تمنع مساءلة إسرائيل عن أفعالها.
الفلسطيني لا يقول للأوروبي: انسَ الضحية اليهودية.
بل يقول له: تذكرها جيداً، ثم اسأل نفسك ماذا تعلمت منها.
هل يعني "لن يتكرر أبداً" ألا يتكرر لليهود فقط، أم ألا يتكرر لأي شعب؟
هذه هي المعضلة التي كشفتها غزة.
فحين يرى العالم مدناً مدمرة وأحياء سويت بالأرض وعائلات نزحت مرة بعد أخرى، وحين يشاهد الفلسطيني يبحث عن الطعام والماء والدواء، يصبح من الصعب على آلة العلاقات العامة الإسرائيلية أن تعيد النقاش في كل مرة إلى السابع من أكتوبر وحده، وكأن التاريخ توقف في ذلك اليوم.
ما حدث في السابع من أكتوبر في مستوطنات غلاف غزة لا يمنح إسرائيل شيكاً مفتوحاً لفعل ما تشاء بالفلسطينيين، تماماً كما أن اضطهاد اليهود تاريخياً لا يمنح دولة إسرائيل حصانة من القانون أو الأخلاق.
والأخطر بالنسبة إلى إسرائيل أن ما يحدث في غزة يتزامن مع تحول آخر في الضفة الغربية.
قبل أيام فقط، وليس قبل سنوات، الفلسطينيون في بلدة قصره قرب نابلس يعيشون تحت حصار وهجمات المستوطنين، الذين حاصروا منازل فلسطينية وقطعوا عنها المياه والكهرباء، فيما أصبح عنف المستوطنين والاستيلاء على الأرض جزءاً متزايداً من واقع الضفة الغربية. حتى السفير الأميركي مايك هاكابي، المعروف بمواقفه شديدة التأييد لإسرائيل والاستيطان، ادان المستوطنين المتورطين في حصار منازل قصره.
والأرقام تكشف أن المسألة ليست "حفنة من المتطرفين"، كما تحاول إسرائيل دائماً تقديمها. فقد وثق مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تسارع التوسع الاستيطاني والتهجير، وقال في تقرير صدر في آذار/مارس 2026 إن 1,732 حادثة عنف للمستوطنين أوقعت إصابات أو أضراراً بالممتلكات خلال فترة الاثني عشر شهراً التي تناولها التقرير، ووصف عنف المستوطنين بأنه يجري بطريقة منسقة واستراتيجية، مع دور للسلطات الإسرائيلية في التمكين أو المشاركة في جانب من هذه الممارسات.
وفي عام 2026 نفسه تحدث مكتب حقوق الإنسان عن نمط واضح في مناطق من الضفة: إقامة بؤرة استيطانية قرب التجمع الفلسطيني، ثم تقييد الوصول إلى المياه والمراعي، ثم الاعتداءات المتكررة وتدمير الممتلكات والثروة الحيوانية، إلى أن تصبح الحياة مستحيلة ويدفع السكان إلى الرحيل.
ما الاسم المناسب لذلك؟
بالنسبة للفلسطيني الذي يرى أرضه تنتقل تدريجياً إلى المستوطن، المسألة ليست "نزاعاً عقارياً"، وليست خلافاً بين جارين. إنها عملية اقتلاع مستمرة، وأحد أشكال التطهير المكاني الذي يراد منه تقليص الوجود الفلسطيني في مناطق استراتيجية وتوسيع السيطرة الإسرائيلية عليها.
وهذا هو السياق الذي ينبغي أن نقرأ فيه حادثة البرلمان البولندي.
فحين رفع بيركوفيتش ذلك العلم لم يكن مهماً فقط ما قاله، بل أين قاله.
قاله في بولندا.
في قلب واحدة من أكثر ساحات الذاكرة اليهودية حساسية في أوروبا.
والأهم أنه ليس ناشطاً يسارياً جاء من حركة التضامن مع فلسطين، بل سياسي من اليمين القومي. وهذا لا يجعله بالضرورة نصيراً للفلسطينيين؛ بل يجب الحذر من دوافع بعض التيارات اليمينية الأوروبية التي قد تختلط فيها معارضة إسرائيل بعداء قديم لليهود. لكن دلالة الواقعة تكمن في أن نقد إسرائيل لم يعد محصوراً في اليسار والجامعات وحركات حقوق الإنسان.
لقد تسرب إلى مساحات سياسية أخرى.
وهذا ما ينبغي أن يقلق إسرائيل.
لأن خسارة حكومة تصويتاً في الأمم المتحدة يمكن إصلاحها بالضغط الدبلوماسي. وخروج مظاهرة مؤيدة لفلسطين يمكن مواجهته بحملة إعلامية. لكن عندما تتغير الصورة الذهنية لإسرائيل داخل المجتمعات الغربية، تصبح المشكلة أكثر عمقاً.
إسرائيل تخوض إذاً حرباً ثانية إلى جانب حربها العسكرية: حرباً على صورتها التاريخية.
وقد تستطيع الانتصار عسكرياً على شعب محاصر، لأن ميزان القوة مختل بصورة هائلة. تستطيع هدم منزل، واجتياح مخيم، وإغلاق مدينة، وبناء مستوطنة، ومصادرة أرض. لكن القوة العسكرية لا تستطيع إجبار العالم إلى الأبد على رؤية الجندي الذي يحمل البندقية باعتباره الضحية، والطفل الذي يقف أمامه باعتباره الخطر.
هذه المعادلة بدأت تتصدع.
وما يحدث في أوروبا اليوم ليس بالضرورة انتصاراً فلسطينياً كاملاً، ولا انقلاباً أوروبياً شاملاً على إسرائيل. المصالح والتحالفات والمؤسسات أقوى من أن تتغير بين ليلة وضحاها. لكنه تحول في السؤال الأخلاقي، وهذا أخطر بكثير من تغير بيان سياسي.
السؤال الأوروبي القديم كان: ماذا حدث لليهود؟
أما السؤال الذي فرضته غزة والضفة الغربية على قطاعات متزايدة من الرأي العام فهو: ماذا تفعل إسرائيل بالفلسطينيين؟
ولا تناقض بين السؤالين.
بل إن أوروبا التي تعلمت بالفعل من تاريخها يجب أن تكون قادرة على طرحهما معاً.
لهذا أرى أن إسرائيل تألمت من المشهد البولندي حتى وإن لم تصرخ. ليس لأن نائباً استخدم تشبيهاً تاريخياً صادماً، وإنما لأن المشهد كشف لها احتمالاً أكثر خطورة: أن تتحول الذاكرة التي منحتها لعقود حصانة أخلاقية استثنائية إلى مرآة يسأل الأوروبي من خلالها عن سلوكها هي.
ربما تستطيع إسرائيل أن تطالب بمعاقبة نائب، وأن تستدعي سفيراً، وأن تصدر بيانات تتحدث عن معاداة السامية، لكنها لن تستطيع بسهولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
فبعد غزة، وبعد ما يجري في الضفة من استيطان واقتلاع وعنف للمستوطنين، لم يعد السؤال فقط كيف يحمي العالم اليهود من تكرار مآسي الماضي.
هناك شعب آخر يقف أمام أوروبا ويقول لها:
نحن أيضاً بشر.
ونحن أيضاً لنا أرض وبيوت وأطفال وذاكرة.
وإذا كان درس التاريخ هو ألا يتحول الإنسان إلى رقم، وألا تصبح القوة مبرراً لسلب حقوق الضعفاء، فلا يمكن أن تكون هذه القاعدة صالحة في أوروبا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، ثم تفقد صلاحيتها عندما يصل الأمر إلى الفلسطيني.