قصرة نموذجا... حين تُترك القرى الفلسطينية وحيدة في مواجهة الاحتلال والمستوطنين

17/08/2026

كتب اسماعيل الريماوي: ما يحدث في قصرة  جنوب نابلس لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره حادثة عابرة أو اعتداءً جديدًا من اعتداءات المستوطنين التي تتكرر يوميًا في الضفة الغربية، بل هو مشهد خطير من مشاهد فرض الحصار على القرى الفلسطينية، واختبار حقيقي لقدرة الشعب الفلسطيني على حماية نفسه في ظل غياب أي تحرك جدي يرقى إلى مستوى الخطر الذي يواجهه الأهالي.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا يعتدي المستوطنون؟ فهذا السؤال باتت إجابته معروفة في ظل منظومة الاستيطان والحماية التي توفرها دولة الاحتلال للمستوطنين، وإنما السؤال الأهم: أين التضامن مع أهالي قصرة؟ وأين المساندة للبيوت المحاصرة؟ وأين الحراك الشعبي والسياسي الذي يفترض أن يواجه هذه الاعتداءات؟
هناك من يحاول أن يجعل المسؤولية كلها على عاتق الشعب، وكأن المطلوب من المواطن الفلسطيني أن يتحمل وحده مسؤولية مواجهة الاحتلال والمستوطنين، بينما تتوارى السلطة الفلسطينية خلف البيانات والمواقف اللفظية، وتترك القرى والمناطق المستهدفة تواجه مصيرها.
ومن الصعب فصل هذا الواقع عن طبيعة الدور الذي كرسته سلطة أوسلو طوال السنوات الماضية، حيث جرى إضعاف الحراك الشعبي ضد الاحتلال ومحاصرته بأشكال متعددة، وتحويل فكرة المقاومة الشعبية إلى شعار موسمي، بينما بقي الاحتلال ومستوطنيه يوسعون نفوذهم على الأرض ويغيرون الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية.
والمفارقة أن السلطة، بدل أن تتحمل مسؤوليتها السياسية والوطنية في حماية شعبها ومواجهة المشروع الاستيطاني، كثيرًا ما تنتهي إلى تحميل الشعب نفسه مسؤولية ما يحدث له،  وكأن المواطن هو المخطئ لأنه دافع عن أرضه، أو لأن شابًا تصدى لمستوطن حاول اقتحام قريته، أو لأن عائلة رفضت ترك بيتها تحت ضغط الحصار والاعتداءات.

وإذا كان هناك ما يمكن أن يُلام عليه الشعب، فهو ليس تقصيره في مواجهة الاحتلال، وإنما استمرار قبوله بواقع سياسي جعل من الفلسطيني مكشوفًا أمام الاحتلال والمستوطنين، ومطلوبًا منه في الوقت نفسه أن ينتظر الحل من الآخرين.
وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي استمرار محاولة إقناع الفلسطينيين بأن الخلاص سيأتي من المجتمع الدولي، أو من بعض الأصوات الإسرائيلية المعارضة، أو من الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ، وكأن مستقبل الشعب الفلسطيني أصبح مرتبطًا بنتائج صناديق الاقتراع في دولة الاحتلال، أو بموقف هذا السياسي الإسرائيلي أو ذاك.
لا أحد يقلل من أهمية المواقف الدولية أو من قيمة الأصوات الإسرائيلية التي ترفض سياسات الاحتلال، لكن تحويلها إلى استراتيجية فلسطينية بحد ذاتها هو أمر مختلف تمامًا، فالتعويل على أقلية هامشية داخل المجتمع الإسرائيلي، أو انتظار تغيير الحكومة الإسرائيلية، لا يوقف مستوطنًا يقتحم قرية، ولا يحمي منزلًا محاصرًا، ولا يمنع مصادرة أرض، ولا يعيد بيتًا هُدم أو أرضًا صودرت.
الأخطر من ذلك أن هذه الرؤية تتحول أحيانًا إلى أداة لتخدير المجتمع الفلسطيني، وإبقائه في حالة انتظار دائم: انتظروا المجتمع الدولي، انتظروا نتائج الانتخابات الإسرائيلية، انتظروا الإدارة الأميركية، انتظروا المفاوضات، انتظروا الوساطات... بينما الاحتلال لا ينتظر أحدًا، والمستوطنون يواصلون العمل على الأرض ساعة بعد أخرى.
وفي المقابل، هناك تجاهل واضح للدور الذي يقوم به أبناء القرى الفلسطينية أنفسهم، شباب قصرة، كما غيرهم من شباب القرى المستهدفة، لم ينتظروا المجتمع الدولي عندما وصل المستوطنون إلى أرضهم، ولم ينتظروا مؤتمرًا سياسيًا كي يدافعوا عن بيوتهم وأهاليهم، هؤلاء الشباب هم خط الدفاع الأول عن قراهم، وهم الذين يعيشون الخطر على الأرض ويدفعون ثمنه.
ولهذا فإن تجاهل ما يقوم به أبناء قصرة ليس مجرد تقصير إعلامي أو سياسي، بل يحمل رسالة خطيرة: أن المواطن الفلسطيني مطالب بالصمت عندما يُعتدى عليه، وعندما يتحرك للدفاع عن أرضه يصبح وحده في مواجهة النتائج.
ما يحدث في قصرة قد لا يتوقف عند قصرة ، وما يجري اليوم في قرية فلسطينية يمكن أن ينتقل غدًا إلى قرية أخرى، وما يُختبر اليوم في منزل قد يصبح غدًا نموذجًا يُفرض على منزل آخر،  فالمستوطن الذي يكتشف أن الاعتداء يمر بلا ثمن، وأن القرية تُترك وحيدة، وأن التضامن معها محدود او غير موجود، سيجد في ذلك تشجيعًا على تكرار التجربة في مكان آخر.
ولهذا فإن القضية ليست فقط قضية قصرة، بل قضية كل قرية فلسطينية تقع في مرمى الاستيطان،  إنها قضية كل بيت قريب من مستوطنة، وكل مزارع يخشى الوصول إلى أرضه، وكل عائلة يمكن أن تجد نفسها غدًا محاصرة أو مهددة بالطرد.
المطلوب اليوم ليس بيانات تضامن إضافية، ولا خطابات موسمية، وإنما إعادة الاعتبار لفكرة التضامن الشعبي الحقيقي بين القرى والمدن والمخيمات، وتشكيل حالة وطنية فلسطينية تجعل الاعتداء على قرية اعتداءً على الجميع، وتجعل حصار بيت فلسطيني قضية وطنية لا قضية عائلة معزولة.
قصرة ليست وحدها، وإن تُركت وحدها اليوم فإن السؤال غدًا سيكون: من هي القرية التالية؟ ومن هو البيت التالي الذي سيُحاصر؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للشعب الفلسطيني ليس فقط أن يهاجمه المستوطنون، وإنما أن ينجح الاحتلال في تحويل كل قرية إلى جزيرة معزولة، وكل عائلة إلى قضية منفردة، وكل اعتداء إلى حادثة عابرة.
ولهذا فإن مواجهة ما يحدث في قصرة تبدأ بكسر العزلة عنها، تبدأ بأن يعرف المستوطن أن وراء قصرة شعبًا بأكمله، وأن وراء كل بيت محاصر مئات وآلاف البيوت التي لن تقبل أن يصبح الحصار أمرًا طبيعيًا.
فالمعركة على قصرة ليست معركة قصرة وحدها؛ إنها معركة على ما تبقى من قدرة الفلسطيني على البقاء فوق أرضه، وإذا صمتنا اليوم على حصار بيت في قصرة، فقد نستيقظ غدًا على الحصار أمام أبواب بيت آخر.