رزق عطاونة يكتب لوطن: قصرة في مواجهة المستوطنين واختبار مسؤولية النظام السياسي

16/08/2026

 ما يجري في قصرة ليس حادثا عابراً يمكن التعامل معه باعتباره مشكلة أمنية محلية فحصار منزلي عائلتي أبو ريدة وحسان من قبل المستوطنين وبحماية قوات الاحتلال لليوم السادس على التوالي يكشف عن طبيعة مرحلة جديدة في الضفة الغربية عنوانها توسيع السيطرة على الأرض عبر إرهاب المواطنين ودفعهم إلى الخوف والعزلة وصولا إلى تهجيرهم. بالتزامن مع تصاعد الاعتداءات في مناطق واسعة من الضفة الغربية.

إن المستوطن لا يتحرك هنا بوصفه فردا منفصلا عن منظومة الاحتلال بل في سياق سياسي وأمني يوفر له مساحة واسعة للحركة والإفلات من العقاب وحين يتحول الجيش المفترض أن يكون قوة الاحتلال إلى قوة توفر الحماية للمعتدين فإن المسألة تصبح أبعد من اعتداء مستوطنين على مواطنين؛ إنها تعبير عن منظومة متكاملة تستخدم الاستيطان والعنف والضغط اليومي لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني على الأرض.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل القوى الوطنية الفلسطينية ليس فقط كيف نرد على الاعتداء؟ بل كيف نحول مواجهة الاستيطان من رد فعل موسمي إلى سياسة وطنية وشعبية مستدامة؟
لقد علمتنا الانتفاضة الشعبية الأولى أن قوة الشعب لا تقاس بحجم ما يمتلكه من أدوات مادية وإنما بقدرته على تنظيم المجتمع وتوحيد طاقاته وتحويل المقاومة إلى فعل جماهيري واسع فاللجان الشعبية والإضرابات والمقاطعة، والتكافل الاجتماعي وتنظيم الأحياء والقرى كلها جعلت الاحتلال يواجه مجتمعا حياً لا مجموعة أفراد معزولين.
واليوم نحن بحاجة إلى استعادة هذا المعنى لا إلى استنساخ تجربة تاريخية بكل تفاصيلها. المطلوب بناء مقاومة شعبية سلمية حديثة قاعدتها المجتمع المحلي وهدفها حماية الناس والأرض وأداتها التنظيم والتضامن والإعلام والقانون والعمل الدبلوماسي.
من هنا تقع على عاتق القوى السياسية مسؤولية تشكيل إطار وطني موحد لمواجهة عنف المستوطنين يضم القوى السياسية والمجالس المحلية واللجان الشعبية والمؤسسات الحقوقية والنقابات والفعاليات الاجتماعية، إطار تكون مهمته تحويل كل اعتداء إلى قضية وطنية وكل قرية مهددة إلى أولوية سياسية ومجتمعية.
كما ينبغي الانتقال من التضامن الافتراضي إلى التضامن الميداني المنظم أن تشعر القرية المستهدفة بأنها ليست وحدها وأن يصبح الاعتداء على عائلة فلسطينية اعتداء على المجتمع الفلسطيني بأسره، وهذا يعني تطوير شبكات للتضامن الشعبي وتنظيم حملات إعلامية وحقوقية ومساندة السكان في الدفاع عن وجودهم وأرضهم بالوسائل المدنية والقانونية.
والأهم أن تتحول قضية المستوطنين إلى أولوية في العمل الدبلوماسي الفلسطيني فالمجتمع الدولي لا ينبغي أن يسمع عن الاعتداء بعد وقوعه فقط بل يجب أن يواجه بملف متكامل يوثق نمط العنف والاعتداء على الأراضي والممتلكات والتهجير ودور قوات الاحتلال في حماية المعتدين أو تعطيل وصول الحماية والمساعدة إلى الفلسطينيين.
وقد حذر خبراء الأمم المتحدة من تصاعد ما وصفوه بإرهاب المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما وثقت الأمم المتحدة ومؤسسات حقوقية دولية ارتباط العنف بالاستيطان والتهجير والإفلات من العقاب.
ومن هنا يأتي مطلب نزع سلاح المستوطنين ومصادرة الأسلحة المستخدمة في الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها باعتباره مطلبا سياسياً وقانونياً موجهاً إلى المجتمع الدولي لا دعوة إلى الانخراط في دورة جديدة من العنف. فلا يمكن أن يستمر التعامل مع المستوطنين المسلحين باعتبارهم مواطنين عاديين بينما يستخدمون القوة لفرض وقائع جديدة على المواطنين والبلدات. المطلوب حماية المدنيين، إنهاء الحصانة وضمان المساءلة.
أما النظام السياسي الفلسطيني فعليه أن يدرك أن مواجهة الاستيطان ليست ملفا أمنيا هامشيا بل قضية وجود وطني. وهذا يستدعي استراتيجية متكاملة تقوم على حماية المجتمع وتثبيت المواطنين في أرضهم وتوثيق الانتهاكات وتفعيل المسار القانوني الدولي وبناء أوسع شبكة تضامن دولية مع القرى والمناطق المهددة.
كما أن القوى السياسية مطالبة بإعادة الاعتبار إلى المقاطعة والعصيان المدني والإضرابات والاحتجاجات السلمية وغيرها من أدوات الضغط الشعبي بما يتناسب مع الظروف الراهنة. فالمقاومة يجب ان تتحول لثقافة سياسية واجتماعية تجعل الاحتلال يدفع كلفة سياسية وأخلاقية متصاعدة وتمنع تحويل الخوف إلى وسيلة لاقتلاع الناس من أرضهم.
إن معركة قصرة ليست معركة عائلتي أبو ريدة وحسان وحدهما إنها معركة كل فلسطيني يريد أن يبقى في أرضه وكل قرية تواجه الاستيطان وكل مزارع يخشى على أرضه، وكل مواطن يريد أن يعيش في بيته دون أن يرى مستوطناً يقرر له أين يعيش وكيف يتحرك.ولذلك فإن الرد الوطني الحقيقي لا يكون بانتظار الاعتداء التالي ولا بالاكتفاء بإدانته بعد وقوعه الرد يبدأ ببناء حالة شعبية منظمة وبإعادة الاعتبار للتضامن وبإنهاء الانقسام السياسي الذي أضعف قدرة المجتمع على المواجهة وبوضع قضية الاستيطان وعنف المستوطنين في قلب البرنامج الوطني الفلسطيني.
إننا أمام لحظة تستدعي ضرورة تنظيم الشعب في مواجهة الاحتلال والوحدة الوطنية في مواجهة التجزئة والمقاومة الشعبية السلمية في مواجهة العنف والقانون الدولي في مواجهة الإفلات من العقاب.
قصرة اليوم تقول لنا بوضوح إن ترك المستوطنين يفرضون وقائعهم بالقوة يعني السماح بتغيير الخريطة الفلسطينية بيتاً بعد بيت وأرضاً بعد أرض أما تحويل التضامن إلى فعل والمقاومة الشعبية إلى استراتيجية والقضية إلى ملف دولي دائم فهو الطريق نحو تثبيت الفلسطيني على أرضه ومواجهة مشروع الاستيطان سياسيا ومجتمعيا وقانونيا . ان ما يحمي الأرض هو شعب حاضر، منظم، موحد ومتمسك بحقه في البقاء عليها.