ريما نزال تكتب لوطن: حين تصبح كوتا المسيحيين سؤالاً عن المواطنة والتمثيل

13/08/2026

 أثار المرسوم الرئاسي الأخير بشأن تخصيص سبعة مقاعد على الأقل للمواطنين المسيحيين في المجلس التشريعي المقبل نقاشاً واسعاً، وخصوصاً في أوساط أبناء الطوائف المسيحية، الذين عبّر بعضهم عن اعتراضه على اعتماد ما يُسمى "الكوتا المسيحية".

واللافت أن الاعتراض هنا لا ينطلق بالضرورة من رفض تمثيل المسيحيين، بل من سؤال أعمق: هل يحتاج الفلسطيني المسيحي إلى كوتا لكي يكون فلسطينياً؟ أؤكد على أنه سؤال مشروع، بل ضروري.
فالمسيحيون الفلسطينيون ليسوا جماعة وافدة إلى فلسطين، ولا أقلية منفصلة عن نسيجها الوطني والاجتماعي. هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، من تاريخه وحضارته ونضاله الوطني، ومن المدن والقرى التي تشكل الذاكرة الفلسطينية. كنائسهم وأديرتهم وأوقافهم ومؤسساتهم ومدارسهم جزء من تاريخ فلسطين، كما أن حضورهم الوطني والسياسي والثقافي سابق بكثير على قيام النظام السياسي الفلسطيني المعاصر.
ولذلك فإن اختزال حضورهم السياسي في مفهوم «الكوتا» قد يحمل، من حيث لا نقصد، معنى معاكساً للحقيقة الوطنية التي ينبغي أن نؤكدها: المسيحي الفلسطيني لا يمثل طائفته فقط، بل يمثل فلسطين بالقدر الذي يمثلها المسلم الفلسطيني.
لقد عرفت التجربة الانتخابية الفلسطينية تخصيص مقاعد للمواطنين المسيحيين منذ قانون الانتخابات لعام 1995، لتحصين مشاركتهم كما تضمنت ترتيبات انتخابية سابقة مقاعد في دوائر غزة ورام الله وبيت لحم والقدس، إلى جانب المقعد المخصص لأبناء الطائفة السامرية في نابلس.
لكن مرور الزمن لا يحسم السؤال السياسي. بل ربما يجعله أكثر إلحاحاً. هل نريد نظاماً سياسياً يقوم على المواطنة المتساوية، أم نظاماً تتوزع فيه المقاعد بحسب الانتماءات الطائفية والاجتماعية؟ والسؤال هنا لا يقتصر على المسيحيين وحدهم، كونها مسألة على تماس وثيق بهوية الدولة وشكلها التي نريد بناءها.
فالتمييز الإيجابي يمكن أن يكون أداة مشروعة لمعالجة اختلال تاريخي في التمثيل، لكنه يصبح إشكالياً عندما يتحول من إجراء مؤقت أو حمائي إلى قاعدة دائمة تُعيد إنتاج المواطنين باعتبارهم جماعات منفصلة. والفرق كبير بين أن نقول: "ضمان عدم استبعاد أحد"، وبين أن نقول: لكل شريحة أو قطاع مقاعده".
لقد أبديتُ في مناسبات عديدة ملاحظة أساسية تتعلق بمنهجية إعداد التشريعات الانتخابية، وهي أن صاحب القرار استعجل في إعداد القانون وإصداره، بدل أن يسبقه حوار وتشاور واسع مع القوى السياسية والمجتمعية ومؤسسات المجتمع المدني والجهات ذات العلاقة. وقد كان من الطبيعي أن يقود هذا الاستعجال إلى الحاجة المتكررة لإصدار مراسيم تعديلية، حتى أصبحت المراسيم التعديلية هي سيدة الموقف.

المشكلة هنا ليست في أن القانون قابل للتعديل؛ فكل قانون حيّ يتطور مع التجربة. وإنما المشكلة أن كثرة التعديلات المتلاحقة، في فترة زمنية قصيرة، تكشف عن نقص في النقاش المسبق وعن غياب فرصة حقيقية لبناء توافق حول القواعد التي ستنظم العملية الانتخابية وتمثيل المواطنين والمواطنات.

كان يمكن، بل كان ينبغي، أن نبدأ من التشاور لا من التعديل؛ وأن نستمع قبل إصدار القانون إلى مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، وإلى النساء، والمسيحيين، والشباب، والقوى السياسية، والخبراء، ومؤسسات المجتمع المدني، حتى نصل إلى قانون متوازن يعكس طبيعة المجتمع الفلسطيني وتنوعه، ويضمن المساواة في المواطنة والتمثيل العادل، وفي الوقت نفسه يحمي الحقوق التي تحتاج إلى تدابير خاصة لتصحيح اختلالات التمثيل.
وأخيرا: لا بد من كلمة أسكبها في أذن أصحاب القرار، بإن التشريع الجيد لا يُقاس فقط بسرعة إصداره، وإنما بقدرته على الصمود أمام التطبيق. والقانون الذي يحتاج إلى تعديل تلو تعديل بعد صدوره يطرح سؤالًا مشروعا حول جودة عملية إعداده نفسها. لذلك، فإن الدرس الذي ينبغي استخلاصه اليوم ليس فقط ماذا نعدل، بل كيف نُشرّع: هل نواصل إدارة التشريع بالمراسيم والتعديلات اللاحقة، أم ننتقل إلى صناعة قوانين تشاركية تستبق الإشكالات بدل أن تلاحقها؟

لقد كان التشاور المسبق سيتيح لنا فرصة الوصول إلى قانون أكثر اتزانًا واستقرارا، ويجنبنا الوقوع في معالجات جزئية قد تفتح إشكالات جديدة بدل أن تحل الإشكال الأصلي. وهذه ليست ترفاً سياسياً أو إجرائياً، وإنما جزء من سلامة العملية الديمقراطية ومن الثقة العامة بالقانون.
لهذا فإن الاحتجاج الذي صدر عن بعض أبناء الطائفة المسيحية وغيرهم ممن ينطلقون في مطالبهم من على منصة العدالة والمساواة والمشاركة نعتبر بأن الاحتجاجات والتظلمات التي عبرت عن نفسها بوضوح بالغ تستحق الإصغاء إليها، لا باعتبارها اعتراضات على التمثيل، وإنما باعتبارها دفاعاً عن المواطنة الفلسطينية الجامعة.