محمود كلّم يكتب لوطن: ناجي العلي... يوم كان الموت يحيط بنا

10/08/2026

في حزيران عام 1982، كنت ما أزال يافعاً حين جمعتني الصدفة، للمرة الأولى، بناجي العلي.

لم أكن أعرف يومها أن الرجل الذي يقف إلى جانبي في ذلك المكان، وسط واحدة من أكثر لحظات الحرب قسوة، سيبقى حاضراً في ذاكرتي كل هذه السنوات.

كانت قوات الاحتلال قد بدأت تجمع المواطنين قرب مدرسة الراهبات، عند المدخل الجنوبي لمدينة صيدا. كانت أمواج البشر تتدافع من كل اتجاه، حتى بدا المشهد كأنه يوم الحشر. وجوه خائفة، أطفال، نساء، رجال، وجنود الاحتلال ينتشرون في كل مكان، فيما كانت الطائرات تحلّق فوق رؤوسنا، وصوتها وحده كفيل بأن يزرع الرعب في القلب.

في تلك اللحظة، وجدت نفسي أقف إلى جانب رجل لم أكن أعرفه.

كان أشعث الشعر، شاحب الوجه، مهموماً، صامتاً تماماً. لم يكن يتحدث مع أحد، رغم أن رجالاً كانوا يقفون حوله ويتحدثون. كان يحدّق في جموع الناس، وفي جنود الاحتلال، وفي كل شيء من حوله.
كان يضع يديه خلف ظهره، تماماً مثل حنظلة.

كان في ملامحه غضب هائل، بدا لي يومها أكبر من أن يحتمله جسد إنسان، وكأنه على وشك أن ينفجر.

قال لي أحد معارفي، وكان يقف بجانبي:

«هذا الرسام ناجي العلي.»

لم أكن أعرفه يومها، ولم أكن من المهتمين بالرسم أو الفن. لم يكن الفن يعني لي شيئاً في تلك اللحظة.

كان هاجسي أبسط وأشد قسوة:

كيف سنموت؟ وبأي طريقة؟

كانت الطائرات فوق رؤوسنا، وجنود الاحتلال من حولنا، والناس يتدافعون موجة بعد موجة، ولا أحد يعرف إلى أين سيذهب، ولا ماذا ينتظره.

كنت أقف إلى جانب ناجي العلي تماماً، وكانت أمامنا دبابة للاحتلال.

كان شاب مصري يقف ويتحدث مع أحد جنود الاحتلال الذين كانوا يحرسون الدبابة.

كان الشاب لا يتوقف عن الحديث مع الجندي، ويقول له:

«نحن عندنا معاهدة سلام يا بيه.»

كان ناجي يقف صامتاً.
ينظر إلى الرجل بنظرة ازدراء لم تخطئها عيناي، لم يقل شيئاً.
كان صمته يومها أبلغ من الكلام.

ثم فجأة اختفى ناجي العلي من جانبي، هو ومن كان معه.

وانتهى ذلك اليوم، لكن المشهد لم ينتهِ، ظل حاضراً في ذاكرتي.

ومع مرور السنوات، بدأت أتعرف إلى ناجي العلي بطريقة مختلفة. بدأت أتابع كل ما يرسمه، وأقرأ ما يُكتب عنه في الصحف والمجلات. كنت أصوّر رسوماته والمقالات التي تتحدث عنه، وأحتفظ بها.

شيئاً فشيئاً، لم يعد ناجي العلي بالنسبة لي مجرد رسام، أصبح حالة وصوتاً.

كنت أشعر أن ناجي يرسم لي، وكأنني أنا الذي أطلب منه أن يرسم بعض رسومه. كنت أجد نفسي في حنظلة، وفي الوجوه الحزينة، وفي الأطفال، وفي اللاجئين، وفي كل تلك التفاصيل التي كان يرسمها بوجع لا يحتاج إلى شرح.

ومع الوقت، تجمعت لديّ كمية كبيرة من المعلومات والرسومات والقصاصات والمقالات المتعلقة به.

ثم جاءت سنة 2000.
استفزني كتاب صدر في الأردن عن ناجي العلي.

حصلت على الكتاب وبدأت أقرأه، فوجدت فيه عدداً هائلاً من الأخطاء والمعلومات التي رأيت أنها تسيء إلى ناجي العلي وتشوّه صورته وتاريخه، شعرت بثورة غضب في داخلي.

وقتها اتخذت قراراً لم أكن أعرف كيف سأحققه:

سأكتب كتاباً عن ناجي العلي.

لم تكن لديّ تجربة سابقة في كتابة الكتب عن الشخصيات، لكنني كنت أعرف شيئاً واحداً:

لا أريد أن أترك ناجي يُكتب عنه بطريقة لا تليق به.

بدأت أقرأ كتب السير الذاتية، وكتباً عن شخصيات مختلفة، وأبحث عن الطريقة التي يمكن أن أبني بها كتاباً عن رجل أصبحت أشعر أنني أعرفه، رغم أن لقاءنا الأول لم يتجاوز لحظات.

ثم جمعتني الصدفة بالكاتب والأديب الفلسطيني سليمان الشيخ (أبو خلدون)، وكان صديقاً وجاراً لناجي العلي في الكويت.

كان لقربي منه أثر كبير في إنجاز الكتاب. أرشدني إلى بعض أصدقاء ناجي ومعارفه، وفتح أمامي أبواباً لم أكن أعرف كيف أصل إليها. والأهم أنه ظل يتابع إعداد الكتاب معي يوماً بعد يوم، حتى خرج إلى النور.

كان كتاب «ناجي العلي» تجربتي الأولى، ولهذا كانت لحظة صدوره مختلفة عن أي فرح آخر.

كنت أشعر أنني لم أكتب كتاباً فقط، بل حاولت أن أردّ شيئاً من الجميل لرجل بقيت صورته عالقة في ذاكرتي منذ ذلك اليوم في صيدا.

وفي عام 2001، صدر كتابي الأول:
«ناجي العلي... من أجل هذا قتلوني»
عن دار بيسان في بيروت.

لم يكن عنوان الكتاب بالنسبة لي مجرد عنوان.

كان سؤالاً، واتهاماً، ومرثية.

فناجي العلي لم يكن مجرد رسام، كان يرسم الفقراء والمشرّدين واللاجئين، ويرسم فلسطين كما عاشها، لا كما أراد لها الآخرون أن تكون.

كان يعرف أن الرسم يمكن أن يكون موقفاً، وأن الكاريكاتير يمكن أن يكون أقوى من خطاب سياسي كامل.

ولهذا دفع حياته ثمناً لرسوماته.

في 22 تموز 1987، اغتيل ناجي العلي في لندن.

ومنذ ذلك اليوم بقي السؤال مفتوحاً:

من قتل ناجي العلي؟

أحياناً أفكر في المفارقة التي لا تزال تؤلم:

الأمن البريطاني يعرف تفاصيل دقيقة عمّا يحدث في شوارع لندن، ويستطيع أن يراقب مدينة كاملة، فكيف يعقل، بعد كل هذه السنوات، أن تبقى حقيقة اغتيال ناجي العلي معلّقة؟

كيف يمكن أن يُقتل رجل في مدينة تعرف كيف تراقب كل شيء، ثم يبقى دمه بلا عدالة؟

ربما كان ناجي العلي يعرف أن نهايته لن تكون عادية.

وربما كان الغضب الذي رأيته في عينيه في صيدا، قبل أن أعرفه جيداً، هو نفسه الغضب الذي ظل يرافقه حتى النهاية.

ذلك الغضب لم يكن غضب رجل من أجل نفسه.

كان غضب رجل رأى وطنه يُقتلع، وشعبه يُشرّد، وأطفاله يكبرون في المخيمات، ورأى العالم يطلب من الضحية أن تصمت.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، ما زلت أعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم.

أرى ناجي العلي أمامي كما رأيته أول مرة:
رجلاً صامتاً، يضع يديه خلف ظهره، وسط جموع الخائفين، بينما كانت الدبابة أمامنا والطائرات فوق رؤوسنا.

وأنا، الشاب اليافع الذي وقف إلى جانبه، لم أكن أفكر يومها بالرسم أو بالفن، ولم أكن أعرف أن الرجل الذي أقف بجانبه سيصبح لاحقاً جزءاً من ذاكرتي وكتاباتي وحياتي.

كنت أفكر فقط:
كيف سنموت؟

لم أكن أعرف أن ذلك اللقاء القصير سيقودني، بعد سنوات، إلى كتابة كتاب كامل عنه.

ولم أكن أعرف أن الرجل الذي رأيته صامتاً وسط الموت سيصبح واحداً من أكثر الأصوات صخباً في تاريخ فلسطين.

رحل ناجي العلي، لكن حنظلة لم يرحل.

ما زال واقفاً، يدير ظهره للعالم، ويراقب.

وما زال جرح ناجي العلي مفتوحاً في جسد فلسطين.

أما أنا، فما زلت أحتفظ في ذاكرتي بتلك اللحظة البعيدة في صيدا؛ لحظة وقفت فيها إلى جانب ناجي العلي دون أن أعرف من هو، ودون أن أعرف أن ذلك الرجل سيترك أثراً عميقاً في حياتي.
كان يومها صامتاً، كان يحمل في داخله كل الكلام الذي لم يكن العالم يريد أن يسمعه.

رحم الله ناجي العلي، الذي ظل يرسم فلسطين حتى آخر نبضة.

أما حنظلة، فما زال واقفاً...