
في صيف عام 2002، كنتُ على موعد مع محطة فارقة في حياتي، حين اوفدني استاذي العزيز الدكتور محمد بكر البوجي محاضر الأدب العربي فى قسم اللغة العربية والإعلام فى جامعة الأزهر بغزة امده الله بالصحة والعافية، للالتحاق بالعمل الإعلامي إلى جانب أحد أبرز كوادر حركة "فتح" في قطاع غزة، القائد المناضل ذياب اللوح، الذي عُرف في الأوساط الوطنية بـ"أبو النمر". كان الرجل آنذاك عضوًا في اللجنة الحركية العليا للحركة، ورئيساً لدائرة الإعلام والثقافة، فكانت تلك البداية التي فتحت عيني على حقيقة مغايرة لما كنتُ أتصوره عن العمل الإعلامي.
لم يكن الإعلام في وجدان "أبو النمر" مجرد نشرات تُذاع أو كلمات تُسجَّل، بل كان امتدادا طبيعيا للعمل الأمني والميداني في آنٍ معا؛ مهمات وواجبات ومسؤوليات تختلط فيها كلمات الصحافة برصاص الميدان. وما إن حلَّ القصف الإسرائيلي عام 2003 على مقر دائرة الإعلام في مرجعية الحركة بغزة، حتى كشف "أبو النمر" عن عبقرية تنظيمية نادرة، إذ نقل العمل السري بذكاء وحنكة إلى مواقع متعددة، ليضمن استمرارية الصوت الثوري، ويُضيِّق دائرة المستهدفين حوله، محيطا نفسه بفريقٍ يشعر بانتماء حقيقي لا يعلوه شك.
كان الرجل - رحمه الله - يرى في الإعلام رسالة توحيدية لا تمييز فيها بين الكوادر، فكان يعقد الاجتماعات الاستشارية دون كلل، ليُبقي على الجمع ولا يُفرق، في مشهدٍ نادرٍ يعرفه حقا من عاش تلك المرحلة بكل تفاصيلها الموشحة بعرق الوطن.
من الأسر إلى قيادة الدبلوماسية
ولد "أبو النمر" في غزة عام 1958، واعتقلته سلطات الاحتلال باكرا، ليُصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد في أواخر السبعينيات. لم تكن سنوات الأسر الخمس عشرة مجرد غياب، بل كانت مدرسة نضالية صقلته ليصبح أصغر مفوض أمني وأصغر موجّهٍ عام في تاريخ الحركة الأسيرة، حتى تحرَّر في عام 1985، ليعود أكثر إصرارا على مواصلة الطريق.
تنقل بعدها في مواقع قيادية متعددة: عضوية اللجنة الحركية العليا، والإشراف على ملف التعبئة الفكرية، وإصدار صحيفة "الكرامة"، وتأسيس مركز إعلامي تنظيمي MUC. ثمَّ جاء دور الدبلوماسية، فمثَّل فلسطين سفيرًا في الصين، واليمن، وموريتانيا، وأخيرا في جمهورية مصر العربية، ومندوبا دائما لدى جامعة الدول العربية.
السفير الجامع... في زمن الجراح
وكانت محطته الأخيرة في القاهرة الأكثر تعقيدا والأجدر بمواقفه الوطنية، حيث أظهر قدرة استثنائية على الاحتواء والاستيعاب، خصوصا مع توافد آلاف الفلسطينيين من غزة إلى مصر. ورغم وهن المرض، ظلَّ السفير "أبو النمر" حاضرًا، يضمد جراح أبناء شعبه، ويلملم آلامهم، حاملا همومهم أينما حلَّ.
وبقدر ما كان دبلوماسيا محنكا، ظلَّ رمزا وطنيا نظيف السيرة، عميق الانتماء، لا يعرف التفرقة ولا التشرذم، حتى غيَبه الموت في التاسع من اغسطس 2026، فى قاهرة المعز مصر العروبة مخلفا سيرة لا تشطب من ذاكرة فلسطين.
رحم الله قامةً لا تُنسى
أبو النمر ليس مجرد اسم في قائمة القادة، بل مدرسة في العطاء، وحالة نادرة في الإخلاص، علمتنا أن الوطن يُصنع بالصبر والدم والكلمة. أسأل الله أن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهمنا الصبر على فراق هذا الرجل الطيب، فهو للوطن كما قالوا: عمودٌ من أعمدة الحركة الوطنية، وصوتٌ لا يُغيبه رحيل.
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.