
لم يكن ناجي العلي مجرد رسام كاريكاتير فلسطيني، بل كان صوتاً للفقراء واللاجئين، وذاكرةً تمشي على قدمين، وريشةً لم تعرف كيف تصمت أمام الظلم.
وُلد ناجي العلي عام 1936 في قرية الشجرة قرب الناصرة، وعاش طفولته قبل أن تأتي النكبة الفلسطينية عام 1948، فتقتلع عائلته من أرضها، ويجد نفسه لاجئاً في مخيم عين الحلوة في لبنان.
ومن مخيم عين الحلوة بدأت الحكاية.
هناك كبر الطفل الذي حمل فلسطين في ذاكرته، وحوّل ألم اللجوء إلى خطوط سوداء على الورق، حتى أصبحت ريشته واحدة من أكثر الأصوات حضوراً في الكاريكاتير الفلسطيني والعربي.
ومن بين تلك الخطوط وُلد حنظلة… ذلك الطفل الصغير الذي يدير ظهره للعالم، ويعقد يديه خلف ظهره، ويرفض أن يكبر قبل أن يعود إلى فلسطين.
لم يكن حنظلة مجرد شخصية كرتونية؛ كان ذاكرة اللاجئ الفلسطيني، وصورة الوطن الذي لم يستطع الاحتلال اقتلاعه من الذاكرة.
وكان ناجي يرسم جرائم الاحتلال، لكنه لم يتردد أيضاً في كشف قضايا الفساد والاستبداد والخيانة والنفاق، أينما رآها؛ لذلك لم تكن ريشته مريحةً لأحد؛ لا للمحتل، ولا للسلطة، ولا لكل من اعتاد أن يختبئ خلف الصمت.
وكان يعرف أن الحقيقة التي تُقال في زمن الخوف ليست بلا ثمن.
ومن أشهر ما نُسب إليه في هذا السياق قوله:
«اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حاله: ميت، أنا مش ممكن أتخلّى عن مبادئي ولو على قطع رقبتي...»
لم تكن هذه الكلمات مجرد عبارة عابرة؛ بل تعكس إدراكه للخطر الذي أحاط به بسبب مواقفه ورسوماته، وإيمانه بأن الريشة التي تفضح الظلم قد تصبح هدفاً لمن يخاف الحقيقة.
وفي صيف عام 1987، وصل الخطر إلى بابه.
في 22 يوليو/تموز 1987، وبينما كان ناجي العلي متوجهاً إلى مقر عمله في لندن، تعرّض لإطلاق نار أصابه إصابة خطيرة. دخل في غيبوبة، وظل يصارع الموت أسابيع، حتى رحل في 29 أغسطس/آب 1987.
أما الجهة التي تقف وراء اغتياله، فلم تُحسم بصورة قاطعة رسمياً، وبقيت القضية محاطة بالاتهامات والفرضيات.
رحل الجسد…
لكن شيئاً آخر لم يمت.
حنظلة بقي واقفاً.
وفي الصورة التي أمامنا، تبدو خشبة المسرح وكأنها تختصر المأساة كلها.
رجل يحمل جسداً هامداً بين ذراعيه، وطفل صغير يقف وحيداً في المقدمة، وعلى الخلفية كُتبت العبارة:
The End — النهاية.
مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه إعلان عن نهاية رجل.
لكن ربما كانت «النهاية» هنا أوسع من ذلك.
ربما كانت نهاية الجسد، لا نهاية الفكرة.
فناجي رحل، لكن حنظلة بقي.
وبقيت أكثر من 12 ألف رسمة تركها وراءه، وبقيت معها ذاكرة فلسطين، وألم اللجوء، وأسئلة الإنسان العربي التي لم تجد لها إجابات.
لقد أُطلقت الرصاصة على ناجي العلي، لكنها لم تستطع أن تطلق النار على ما تركه وراءه.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة:
قد يُقتل الرسام، لكن الرسم لا يموت.
وقد يُغتال الإنسان، لكن الفكرة قد تعيش أكثر من صاحبها.
كان ناجي يعرف أن الطريق إلى فلسطين طويل، وأن من يمشي فيه قد يدفع عمره ثمناً.
ولم يكن يعرف متى ستأتي الرصاصة، لكنه كان يعرف أن الصمت ليس دائماً نجاة، وأن الحقيقة ليست طريقاً آمناً.
ومع ذلك، مشى.
ولهذا فإن ذكرى ناجي العلي ليست ذكرى فنان استُشهد، بل ذكرى رجل عرف ثمن مواقفه، ودفعه كاملاً.
رحل ناجي العلي، وبقي حنظلة.
رحل الرسام، وبقيت رسوماته…
وبقي حنظلة واقفاً، عاقداً يديه خلف ظهره، يدير وجهه عن العالم، وكأنه ينتظر اليوم الذي يستطيع فيه أن يستدير دون أن يرى وطنه جريحاً.
وفي كل مرة يظهر فيها حنظلة، يبدو الأمر كأن ناجي لم يقل «النهاية» فعلاً.
بل قال:
انتهى ناجي…
أما الحكاية، فلم تنتهِ.
رحم الله ناجي العلي،
الذي حمل فلسطين في قلبه، ورسم ألمها بريشته،
ودفع حياته ثمناً لمواقفه.
فبعض الفنانين يموتون…
لكن رسوماتهم ترفض أن تموت.