سامي مشعشع يكتب لوطن: زلزال يتحضر في واشنطن: من "أمريكا أولا" إلى حزب ثالث يكسر احتكار الحزبين التقليديين.. هل يقترب النظام الأمريكي من لحظة إعادة التأسيس؟

07/08/2026

  في واشنطن، التي ترتكز تاريخيا على ثنائية الحزبين، تتكثف الإشارات إلى تحول عميق قد يعيد رسم الخريطة السياسية برمتها.

جمع لقاء لافت الإعلامي المحافظ واسع الشهرة والتأثير تاكر كارلسون، صاحب واحدة من أكثر منصات البودكاست متابعة ومشاهدة في الولايات المتحدة، مع الجمهوري توماس ماسي، عضو الكونغرس الذي يتمتع بشعبية واسعة، وكان قد خاض قبل عدة أسابيع معركة انتخابية قاسية وسط تدفقات مالية ضخمة من لوبيات ضغط نافذة، ولا سيما لوبي "إيباك" الذي سخّر موارد كبيرة لإسقاطه. كما شارك في اللقاء جو كينت، الذي استقال قبل فترة من منصبه مديرا للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، ومارجوري تايلور غرين، عضوة الكونغرس الجمهورية وصاحبة الشعبية الكبيرة، التي عرفت بولائها السابق لدونالد ترامب قبل أن تنفصل عنه احتجاجا على ما اعتبرته "تخليا عن مبادئ ماغا" (Make America Great Again – لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى)، وعلى الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل. وأعاد اللقاء إلى الواجهة فكرة تأسيس حزب أمريكي ثالث.

وهذه ليست مبادرة هامشية، بل تحرك بالغ الأهمية ينبع من داخل التيار الذي شكّل العمود الفقري لشعار "أمريكا أولا"، ويحمل في طياته إمكانية إحداث شرخ كبير داخل أكبر كتلة انتخابية محافظة في البلاد، التي تضم عشرات الملايين من الأمريكيين.

ولفهم وزن هذه اللحظة، لا بد من التوقف عند تاكر كارلسون نفسه. فقد تحول خلال سنوات إلى أحد أبرز وجوه التيار المحافظ، ولم يكن مجرد مذيع تلفزيوني على شبكة "فوكس نيوز"، بل منظرا غير رسمي لفكرة "أمريكا أولا"، وهي الرؤية التي تعطي الأولوية للمصالح الداخلية، وترفض الانخراط المكلف في الحروب الخارجية، وتنتقد بشدة تزاوج السلطة السياسية مع رأس المال الكبير. وكانت علاقته بالرئيس السابق دونالد ترامب وثيقة إلى حد بعيد، مع لقاءات متكررة وتقاطعات واضحة في الخطاب، بل لعب دورا مؤثرا في تعبئة القاعدة المحافظة خلال الحملات الانتخابية. لكن هذه العلاقة شهدت تصدعا ملحوظا مع تصاعد التوترات الدولية، ولا سيما في ما يتعلق بإيران والحرب في غزة، ونفوذ حلفاء إسرائيل في رسم السياسة الخارجية الأمريكية. عندها اتخذ كارلسون مسارا أكثر تشككا في سياسات المواجهة الخارجية، وأكثر حدة في نقده لما اعتبره انحرافا عن جوهر "أمريكا أولا"، قبل أن ينتهي به الأمر إلى القطيعة مع ترامب ومغادرة الحزب الجمهوري.

ويعكس هذا التباعد انقساما أعمق داخل حركة "ماغا"، التي تضم عشرات الملايين من الأمريكيين، بمن فيهم القاعدة الإنجيلية المحافظة ذات الحضور القوي في السياسة الأمريكية. وهذه الكتلة ليست موحدة بالكامل؛ فهي تجمع بين قوميين اقتصاديين، ومحافظين اجتماعيين، ودعاة تقليص التدخل الخارجي، ومسيحيين إنجيليين، وغيرهم. ومن داخل هذا التنوع تنشأ إمكانية الانقسام، وإعادة التشكل أيضا.

وفي البودكاست الذي بثه أمس، بدا كارلسون وكأنه ينتقل من موقع الناقد إلى موقع المؤسس، إذ طرح بقوة عشرة مبادئ تشكل إطارا فكريا، أو ما يشبه "المانيفستو"، لحزب ثالث محتمل. وتتراوح هذه المبادئ بين العدالة والسيادة والإنتاجية والشفافية، وتسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. لكنها لا تقف عند السياسة التقليدية، بل تمتد إلى مفاهيم مثل الجمال في الفضاء العام، والصحة بمعناها الشامل، والحكمة أساسا للتعليم، واللياقة الأخلاقية شرطا للقيادة، وأهمها الدعوة إلى توحيد الأمريكيين حول القضايا الوطنية والسيادية، رغم استمرار الخلافات حول القضايا المجتمعية الأخرى.

والمثير أن هذه المبادئ، رغم صدورها من قلب التيار المحافظ، تتقاطع في جوانب عديدة مع مطالب تيارات داخل الحزب الديمقراطي، خاصة ما يعرف بالتيار التقدمي أو جناح الاشتراكيين الديمقراطيين. فهذا التيار، الذي كان بيرني ساندرز أحد أبرز رواده وممهدي الطريق له، نجح في دفع قضايا مثل العدالة الاقتصادية، والرعاية الصحية الشاملة، ومواجهة نفوذ الشركات الكبرى ولوبيات الضغط إلى قلب النقاش الوطني. وقد واصل هذا المسار جيل جديد من السياسيين، مثل ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، التي باتت رمزا لصعود خطاب يساري نقدي داخل المؤسسة الديمقراطية. كما يظهر ما يعرف بـ"تأثير زهران ممداني"، في إشارة إلى صعود مرشحين يحملون خطابا شعبيا تقدميا، مشكلين اتجاها موازيا لتحدي المؤسسة السياسية من الداخل. وفي هذا السياق، برز اسم عبد السيد في ولاية ميشيغان، حيث حقق أمس فوزا وصف بأنه تاريخي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لشغل مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، رغم تدفق عشرات الملايين من الدولارات من جماعات ضغط قوية لدعم منافسته، إذ أُنفق نحو 65 مليون دولار في محاولة لهزيمته.

ولم يكن هذا الفوز مجرد انتصار انتخابي، بل رسالة سياسية مفادها أن المال السياسي، رغم تأثيره، لم يعد قادرا وحده على حسم المعارك. وفي هذا المشهد تتشكل مفارقة لافتة، إذ يلتقي تياران يبدوان متناقضين، اليمين الشعبوي واليسار التقدمي، ولو جزئيا، حول قضايا مركزية، مثل تقليص نفوذ المال السياسي، واستعادة دور الدولة في حماية الطبقة الوسطى، وإعادة توجيه السياسة الخارجية بما يخدم الداخل الأمريكي. وهذا التقاطع، وإن لم يتحول بعد إلى تحالف، يفتح الباب أمام إمكانية نشوء كتلة سياسية جديدة عابرة للانقسامات التقليدية.

لقد شكلت الحرب على غزة، بالنسبة لهذا التحول، لحظة كاشفة. فقد أبرزت، في نظر كثيرين، الفجوة بين قرارات واشنطن ومزاج قطاعات واسعة من الرأي العام، سواء في اليمين أو اليسار. وأصبح هذا الإحساس بأن السياسة الخارجية لا تعكس بالضرورة أولويات الداخل الأمريكي أحد محركات النقاش حول الحاجة إلى إعادة بناء النظام السياسي.

لكن الطريق إلى حزب ثالث في الولايات المتحدة لا يزال مليئا بالعقبات. فالنظام الانتخابي، وآليات التمويل، والإعلام، جميعها تصب في مصلحة الحزبين التقليديين. كما أن توحيد تيارات مختلفة، تمتد من قوميين محافظين إلى تقدميين ساخطين، يمثل تحديا فكريا وتنظيميا هائلا. ومع ذلك، فإن ما يجري اليوم، في ظل الحرب مع إيران واستمرار الحرب في غزة، يشير إلى لحظة سياسية أمريكية غير مسبوقة منذ عقود. وإذا نجح هذا المشروع في الانتقال من مجرد خطاب إلى تنظيم سياسي فعلي، فقد تدخل الولايات المتحدة انتخابات عام 2028 بمعادلة جديدة: ليس مجرد تنافس بين حزبين، بل صراع بين نظام سياسي راسخ ومحاولة جادة لإعادة تعريف قواعد اللعبة.

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن أهمية هذه التحولات لا تكمن في الرهان على حزب جديد، بقدر ما تكمن في إدراك أن المشهد السياسي الأمريكي لم يعد جامدا كما كان لعقود. فقد أصبحت غزة وفلسطين اليوم جزءا من النقاش الداخلي الأمريكي، ولم تعودا مجرد ملف في السياسة الخارجية. وهذه فرصة تاريخية قد لا تتكرر، لكن الاستفادة منها تتطلب رؤية فلسطينية موحدة، وخطابا سياسيا حديثا، وعملا منظما قادرا على مخاطبة التحولات الجارية داخل المجتمع الأمريكي. أما إذا بقي الانقسام والتشرذم سيد الموقف، فقد يجد الفلسطينيون أنفسهم مرة أخرى على الهامش.