سامي مشعشع يكتب لوطن: من تغيير الخطاب إلى صناعة القرار: المهمة التاريخية الجديدة للفلسطينيين الأمريكيين

04/08/2026

 نجح الفلسطينيون الأمريكيون، على امتداد أكثر من قرن من العمل المتواصل، في تحقيق إنجاز لم يكن أحد ليتوقعه حتى قبل سنوات قليلة خلت. فقد انتقلت فلسطين من هامش النقاش العام في الولايات المتحدة إلى قلبه، وأصبحت كلمات مثل الاحتلال والفصل العنصري، بل وحتى الإبادة الجماعية، تتردد في الجامعات، ووسائل الإعلام، والكنائس، والنقابات، وأروقة الكونغرس، بعدما ظلت لعقود طويلة أسيرة رواية واحدة كادت تحتكر فهم الصراع وتفسيره. غير أن هذا التحول، على أهميته، يطرح سؤالاً لا يقل أهمية: هل يستطيع الفلسطينيون الأمريكيون اليوم أن يحولوا هذا الإنجاز الأخلاقي والثقافي إلى حضور سياسي مؤثر داخل مؤسسات صنع القرار في الولايات المتحدة؟ ليس المقصود هنا التقليل من شأن ما تحقق، ولا اختزال قرن كامل من النضال في سؤال واحد، بل على العكس تماماً. فما شهدته الساحة الأمريكية خلال الأعوام الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، ولا مجرد رد فعل على حرب الإبادة الأخيرة على غزة، وإنما ثمرة تراكم طويل صنعته أجيال متعاقبة من الفلسطينيين الأمريكيين وحلفائهم، آمنت بأن الدفاع عن فلسطين لا يقتصر على ما يجري في القدس أو غزة أو الضفة الغربية، بل يبدأ أيضاً من الجامعات الأمريكية، ومن الصحافة، ومن المجتمع المدني، ومن صناديق الاقتراع، وقاعة البرلمان ومن كل مساحة يمكن أن تؤثر في الرأي العام والسياسات الأمريكية.

ولعل البداية الرمزية لهذه المسيرة تعود إلى عام 1922، حين وقف طالب القانون سليم طوطح والدكتور فؤاد شطارة أمام الكونغرس الأمريكي مقدمين إفادتهم احتجاجاً على وعد بلفور. لم يكن الرجلان يمثلان جالية ذات ثقل سياسي، ولا جماعة ضغط تمتلك أدوات التأثير في واشنطن، بل كانا يحاولان أن يلفتا انتباه دولة بعيدة إلى شعب لا يعرفه معظم الأمريكيين، وإلى قضية لم تكن تشغل الرأي العام الأمريكي إلا في أضيق الحدود. كانت موازين القوى تميل بصورة ساحقة إلى الطرف الآخر، وكانت فرص النجاح محدودة، لكن تلك المبادرة المبكرة حملت إدراكاً عميقاً سبق زمنها: إذا كانت السياسات الأمريكية تؤثر في مستقبل فلسطين، فإن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لا بد أن يكون جزءاً من العمل السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها.

ومنذ ذلك الحين، راكمت التجربة الفلسطينية الأمريكية إنجازاتها بهدوء (ونعم ببطء)، جيلاً بعد جيل. فبينما انشغل الجيل الأول بتثبيت وجوده وبناء حياته الجديدة، حملت الأجيال اللاحقة عبء الدفاع عن الرواية الفلسطينية في بيئة سياسية وثقافية لم تكن مستعدة للاستماع إليها. ولم تكن المهمة سهلة، إذ كان على الفلسطينيين الأمريكيين أن يواجهوا، في آن واحد، قوة الرواية الإسرائيلية في الفضاء الأمريكي، وضعف الحضور الفلسطيني في المؤسسات الإعلامية والأكاديمية والسياسية ، فضلاً عن الصورة النمطية التي لاحقت العرب والمسلمين، وازدادت حدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١.

ورغم ذلك، استطاعت التجربة الفلسطينية الأمريكية أن تترك بصمة واضحة في الحياة الفكرية والسياسية الأمريكية. فقد خاض مفكرون كبار، في مقدمتهم إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد، معركة الدفاع عن الرواية الفلسطينية داخل الجامعات ومراكز البحث، ونجحوا في كسر احتكار السردية السائدة، بينما وفرت مؤسسات مثل رابطة خريجي الجامعات العرب الأمريكيين والاتحاد العام لطلبة فلسطين واتحاد المرأة الفلسطينية فضاءات حافظت على الهوية الوطنية، وأتاحت لأجيال جديدة من الفلسطينيين والعرب الأمريكيين أن تطور خطاباً سياسياً وثقافياً أكثر رسوخاً وثقة. وفي موازاة ذلك، أخذ الحضور الفلسطيني والعربي الأمريكي يتقدم تدريجياً داخل الحياة العامة الأمريكية. فقد أثبت السيناتور جيمس أبو رزق أن العرب الأمريكيين قادرون على المنافسة والنجاح في العمل السياسي الوطني، بينما أسهم جيمس زغبي والمعهد العربي الأمريكي في ترسيخ ثقافة المشاركة الانتخابية، وإقناع أعداد متزايدة من العرب الأمريكيين بأن المواطنة لا تكتمل بالاندماج الاقتصادي والاجتماعي وحده، وإنما بالمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية أيضاً.

وإلى جانب هذه الأسماء، عملت عشرات المؤسسات المحلية وآلاف المتطوعين، بصبر ومثابرة، على إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الفضاء العام الأمريكي، في سنوات كان مجرد إعلان التضامن مع فلسطين يترتب عليه، في كثير من الأحيان، أثمان مهنية وشخصية باهظة. غير أن هذا التحول لم يكن ثمرة الجهد الفلسطيني وحده. فقد تزامن مع تغيرات أوسع شهدها المجتمع الأمريكي، وبرزت خلالها تحالفات جديدة جمعت الفلسطينيين الأمريكيين بقوى اجتماعية وسياسية متعددة؛ من حركات الحقوق المدنية، والنقابات العمالية، والكنائس، والحركات الطلابية، إلى قطاعات متزايدة من الأمريكيين اليهود الرافضين للاحتلال، وسائر الأصوات التي رأت في القضية الفلسطينية امتداداً لمعركة أوسع من أجل العدالة وحقوق الإنسان.

ولم تكن هذه التحالفات حدثاً عابراً فرضته حرب أو أزمة، بل تعبيراً عن تحول أعمق في الوعي السياسي الأمريكي، أسهم الفلسطينيون الأمريكيون في صناعته، لكنهم لم يكونوا وحدهم من صنعه. ولذلك، فإن الإنصاف يقتضي النظر إلى التجربة الفلسطينية الأمريكية بوصفها قصة نجاح حقيقية. فقد نجحت، خلال قرن من الزمن، في تحقيق ما بدا مستحيلاً ذات يوم: إدخال فلسطين إلى قلب النقاش الأمريكي، وتحويلها من قضية غائبة عن الوعي العام إلى قضية حاضرة في الجامعات، ووسائل الإعلام، والدوائر السياسية، والحياة المدنية. غير أن لكل مرحلة تاريخية مهمتها الخاصة.

وإذا كان القرن الأول قد انشغل بإثبات الهوية، ثم بالدفاع عن الرواية الفلسطينية، فإن المرحلة الجديدة تطرح تحدياً مختلفاً تماماً: كيف يمكن تحويل هذا الرصيد الأخلاقي والسياسي المتراكم إلى حضور مؤسسي قادر على التأثير في صناعة القرار الأمريكي؟ هنا تحديداً تبدأ المهمة التاريخية الجديدة للفلسطينيين الأمريكيين. إذا كان تغيير الخطاب العام يمثل الإنجاز الأكبر الذي حققته التجربة الفلسطينية الأمريكية خلال قرنها الأول، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا لم يواكب هذا التحول بناءُ مؤسسات سياسية تمتلك الوزن نفسه داخل النظام السياسي الأمريكي؟

قد يكون الجواب الأسهل هو أن الفلسطينيين الأمريكيين لم يحصلوا يوماً على فرصة عادلة. وفي هذا كثير من الصحة. فمنذ بدايات وجودهم المنظم في الولايات المتحدة، وجدوا أنفسهم يدافعون عن قضية شعب ما زال يعيش تحت الاحتلال واللجوء، في بيئة سياسية انحازت، إلى حد بعيد، للرواية الإسرائيلية، وإعلام لم يكن يمنح الفلسطينيين سوى مساحة محدودة، ثم جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر لتضيف طبقة جديدة من الشك والارتياب تجاه كل أشكال النشاط السياسي العربي والإسلامي. ولا شك أن هذه الظروف فرضت قيوداً حقيقية على تطور العمل الفلسطيني الأمريكي، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير الصورة بأكملها. فالتجربة الأمريكية نفسها تعلمنا أن كثيراً من الجماعات المهاجرة واجهت التمييز والإقصاء والعداء، لكنها استطاعت، مع مرور الزمن، أن تبني مؤسسات وطنية راسخة، وأن تتحول إلى قوى سياسية يحسب لها الحساب. ولم يكن الفارق في حجم المعاناة، بل في طبيعة المرحلة التاريخية التي وصلت إليها كل جماعة، وفي قدرتها على الانتقال من الدفاع عن وجودها وهويتها إلى بناء حضور مؤسسي دائم داخل الحياة السياسية.

ومن هذه الزاوية، تبدو التجربة الفلسطينية الأمريكية مختلفة، لا لأنها أقل نجاحاً، بل لأن أولوياتها التاريخية كانت مختلفة. فقد انشغلت، طوال عقود، بما كان يبدو أكثر إلحاحاً: الحفاظ على الهوية الوطنية، والدفاع عن الرواية الفلسطينية، وربط الأجيال الجديدة بوطن لم تعرفه إلا من خلال الذاكرة، ومواجهة حملات التشويه والتهميش التي طالت القضية الفلسطينية في الإعلام والجامعات والفضاء السياسي الأمريكي. وكانت تلك، في ظروفها، مهمة وطنية لا تقل أهمية عن أي إنجاز سياسي. كما أن العلاقة الوثيقة بالحركة الوطنية الفلسطينية لعبت دوراً محورياً في تشكيل هذه الأولويات. فقد منحت منظمة التحرير الفلسطينية أبناء الجالية، لعقود طويلة، شعوراً بالانتماء إلى مشروع وطني جامع، ووحدت الفلسطينيين حول مرجعية سياسية واحدة في زمن كانت فيه الهوية الفلسطينية نفسها موضع استهداف. ولم يكن مستغرباً، والحال كذلك، أن تتجه الطاقات والموارد نحو دعم المشروع الوطني الفلسطيني، وأن تبقى الأولوية لما يجري في بيروت، ثم في تونس، ثم في غزة ورام الله، أكثر من انشغالها ببناء مشروع سياسي فلسطيني أمريكي مستقل.

ولا ينبغي النظر إلى ذلك بوصفه خطأً تاريخياً، بل بوصفه انعكاساً طبيعياً لظروف تلك المرحلة. غير أن ما كان مناسباً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لم يعد كافياً اليوم. فقد تغيرت الولايات المتحدة، وتغير المجتمع الفلسطيني الأمريكي، وتغيرت طبيعة العمل السياسي نفسه. وأصبح من الواضح أن الدفاع عن فلسطين في واشنطن لا يقل أهمية عن الدفاع عنها في أي ساحة أخرى، وأن بناء مؤسسات فلسطينية أمريكية مستقلة لا يتعارض مع الانتماء الوطني، بل يشكل أحد روافده الأساسية.

ويقع على القيادة الفلسطينية هنا أيضاً نصيب من المسؤولية. فبينما كان الفلسطينيون الأمريكيون يحققون حضوراً متزايداً في الجامعات، والشركات، والمستشفيات، ومكاتب المحاماة، والإعلام، ومؤسسات الدولة، لم تتبلور رؤية استراتيجية تستثمر هذا الرصيد البشري المتنامي، وتحوله إلى قوة منظمة داخل المجتمع الأمريكي. لقد تكوّن، على امتداد عقود، واحد من أكثر التجمعات الفلسطينية تعليماً ونجاحاً وتأثيراً في العالم، لكن هذا الرصيد تُرك، إلى حد كبير، لينمو بعفويته، من دون مشروع وطني يعمل على تنظيمه وربط مكوناته والاستفادة من طاقاته.

وفي المقابل، فإن التجربة الفلسطينية الأمريكية نفسها تحتاج إلى مراجعة هادئة وصادقة. فقد أدت المؤسسات الاجتماعية والثقافية والدينية دوراً لا يمكن إنكاره في حماية الهوية الوطنية وتعزيز التضامن بين أبناء المجتمع الفلسطيني الأمريكي. وأسهمت روابط المدن والبلدات، مثل اتحاد رام الله فلسطين، في الحفاظ على الذاكرة الجماعية، كما شكلت الكنائس والمساجد فضاءات حافظت على تماسك المجتمع الفلسطيني في أوقات كانت القضية الوطنية تواجه فيها أصعب مراحلها. لكن الحفاظ على الهوية، على أهميته، لا يوازي بالضرورة بناء الوزن السياسي. فقليل من هذه المؤسسات جعل تثقيف الناخبين، وإعداد القيادات الشابة، وتشجيع الترشح للمجالس المحلية، وبناء شبكات التمويل السياسي، جزءاً من رسالته الأساسية. وغالباً ما استحوذت الأنشطة الاجتماعية والخيرية والثقافية على القسم الأكبر من الجهد، فيما بقي الاستثمار في العمل السياسي المؤسسي محدوداً ومتقطعاً. ولم يكن ذلك بسبب غياب الكفاءات أو ضعف الالتزام، بل لأن المرحلة التاريخية لم تكن قد فرضت هذا التحول بعد. ولعل هذا هو الاستنتاج الأهم. فالتجربة الفلسطينية الأمريكية لم تفشل في بناء حضور سياسي، بل استكملت، على مدى قرن، المهام التي فرضتها عليها ظروفها التاريخية. أما اليوم، فقد دخلت هذه التجربة مرحلة جديدة تختلف في أولوياتها وأدواتها وتحدياتها.

وإذا كان القرن الأول هو قرن تثبيت الهوية، وانتزاع الاعتراف بالرواية الفلسطينية، فإن القرن الثاني يبدو مرشحاً لأن يكون قرن بناء الوزن السياسي القادر على حماية تلك الإنجازات، وترجمتها إلى تأثيرهم في مراكز صنع القرار الأمريكي. إذا كان القرن الأول من التجربة الفلسطينية الأمريكية قد انشغل بإثبات الهوية والدفاع عن الرواية، فإن السنوات الثلاث الأخيرة توحي بأن مرحلة جديدة بدأت تتشكل، تختلف في أولوياتها كما تختلف في أدواتها. فالحرب على غزة لم تُحدث تحولاً في الرأي العام الأمريكي فحسب، بل كشفت أيضاً عن نضج سياسي متزايد داخل المجتمع الفلسطيني الأمريكي نفسه، وعن بروز جيل جديد أكثر ثقة، وأكثر اندماجاً في الحياة العامة، وأشد إدراكاً لطبيعة النظام السياسي الذي يعيش فيه. هذا الجيل لا ينظر إلى السياسة باعتبارها سلسلة من ردود الأفعال على الأزمات، بل باعتبارها عملاً مؤسسياً طويل النفس. وهو يدرك أن المظاهرات، مهما بلغ حجمها، تظل أداة من أدوات التأثير، وليست بديلاً عن بناء الحضور داخل المؤسسات. كما يدرك أن كسب معركة الرأي العام لا يعني تلقائياً كسب معركة القرار السياسي، وأن التعاطف الشعبي، مهما اتسع، يظل قابلاً للتبدد إذا لم يجد من يحوله إلى سياسات وتشريعات وتحالفات دائمة.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الفلسطينيين الأمريكيين وحلفاءهم نجحوا في إحداث تحول ملموس داخل المجتمع الأمريكي. ولم يعد هذا التحول يقتصر على الجامعات أو منظمات المجتمع المدني، بل امتد إلى داخل الحزب الديمقراطي نفسه، وإلى أوساط كانت، حتى وقت قريب، تتجنب أي نقد جدي للسياسات الإسرائيلية. ولم يكن تصويت أكثر من مئة عضو ديمقراطي في مجلس النواب لمصلحة إنهاء الدعم العسكري الأمريكي غير المشروط لإسرائيل مجرد واقعة برلمانية عابرة، بل مؤشراً على أن ما كان يبدو مستحيلاً قبل سنوات قليلة أصبح اليوم جزءاً من النقاش السياسي الأمريكي. لكن الأهم من التصويت نفسه كان ما أعقبه. فقد بدأ يتبلور إدراك جديد بأن حماية السياسيين الذين يختارون اتخاذ مواقف شجاعة لا تكون بالإشادة بهم بعد الانتخابات، وإنما بمساندتهم قبلها، ومرافقتهم خلالها، والوقوف إلى جانبهم بعدها.

ومن هنا برزت مبادرات جديدة لتوسيع المشاركة في الحملات الانتخابية، وتنظيم التبرعات السياسية، وبناء شبكات تمويل صغيرة لكنها مستدامة، وتشجيع الانخراط المباشر في العملية الانتخابية. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى مبادرات مثل American Priorities PAC باعتبارها أحد المؤشرات على هذا التحول، لا لأنها تمثل النموذج النهائي، بل لأنها تعكس انتقالاً من ثقافة الاحتجاج إلى ثقافة الاستثمار المنظم في السياسة. وهذا، في تقديري، هو التطور الأهم. فالقوة السياسية في الولايات المتحدة لا تُقاس فقط بسلامة الموقف الأخلاقي، ولا بعدالة القضية، ولا بحجم المظاهرات، بل أيضاً بالقدرة على التنظيم، وتعبئة الناخبين، وجمع الموارد، وإعداد القيادات، وبناء علاقات طويلة الأمد مع المؤسسات المنتخبة. تلك هي اللغة التي تعمل بها الديمقراطية الأمريكية، وهي اللغة التي بدأت التجربة الفلسطينية الأمريكية تتقنها شيئاً فشيئاً.

ومع ذلك، فإن هذه المؤشرات، على أهميتها، ما تزال تعبر عن مبادرات متفرقة أكثر مما تعبر عن مشروع وطني متكامل. فهي تشي باتجاه جديد، لكنها لم ترتقِ بعد إلى مستوى الاستراتيجية الجامعة. ولهذا، فإن الخطوة التالية لا ينبغي أن تكون الإعلان عن مؤسسة جديدة، أو إضافة اسم آخر إلى قائمة المؤسسات القائمة، بل إطلاق حوار وطني واسع حول مستقبل العمل السياسي الفلسطيني الأمريكي.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الفلسطينيين الأمريكيين، رغم مرور أكثر من قرن على حضورهم المنظم في الولايات المتحدة، لم يعقدوا حتى اليوم مؤتمراً سياسياً وطنياً شاملاً يناقش سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه بالغ الأهمية في مضمونه: كيف ينبغي أن ينظم الفلسطينيون الأمريكيون أنفسهم سياسياً خلال العقود المقبلة؟ إن غياب هذا السؤال، ربما، كان أحد أسباب غياب الإجابات. ولا ينبغي أن يكون مثل هذا المؤتمر مناسبة احتفالية أخرى، أو منبراً لإلقاء الكلمات وإصدار البيانات، بل محطة تأسيسية تجمع مختلف أطياف المجتمع الفلسطيني الأمريكي: المؤسسات التاريخية، والجيل الشاب، والمنتخبين والمرشحين، والأكاديميين، ورجال الأعمال، والمهنيين، والطلبة، والمنظمات النسوية، وروابط المدن والبلدات، وقيادات الكنائس والمساجد، وأصحاب المبادرات المستقلة. فالغاية ليست إنشاء إطار جديد بقدر ما هي التوافق على رؤية سياسية مشتركة، تحدد الأولويات، وتوزع الأدوار، وتضع أسس العمل للجيل القادم. وعندها فقط يصبح ممكناً مناقشة الأسئلة التي تأخر طرحها طويلاً: هل آن الأوان لإنشاء مجلس فلسطيني أمريكي منتخب ديمقراطياً يعبر عن المجتمع الفلسطيني الأمريكي؟ وهل تحتاج لجان العمل السياسي القائمة إلى التوسعة والتنسيق في إطار وطني أشمل؟ وكيف يمكن اكتشاف القيادات الشابة، وإعدادها، ودعمها لخوض الانتخابات المحلية والولائية والفيدرالية؟ وكيف يمكن بناء مؤسسات مهنية قادرة على الاستمرار بصرف النظر عن تبدل الأشخاص أو تغير الظروف؟ هذه ليست أسئلة تنظيمية فحسب، بل هي أسئلة تتعلق بالشكل الذي سيأخذه الحضور الفلسطيني الأمريكي خلال العقود المقبلة.

وثمة حقيقة واحدة تبدو اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: إن الفلسطينيين الأمريكيين، وهم يحافظون على انتمائهم الوطني العميق لفلسطين، مطالبون ببناء مستقبلهم السياسي في المكان الذي يعيشون ويصوتون ويؤثرون فيه. فالرابطة مع فلسطين ستبقى جوهر هويتهم، لكنها لا تغني عن بناء مشروع سياسي مستقل الجذور في الولايات المتحدة، لأن السياسات الأمريكية التي تمس فلسطين لا تُصاغ في رام الله أو غزة أو عمّان، وإنما في الكونغرس، والولايات، والبيت الأبيض. وهناك، تحديداً، ينبغي أن يكون الحضور الفلسطيني الأمريكي أكثر تنظيماً، وأكثر استدامة، وأكثر تأثيراً. لقد بلغ الفلسطينيون الأمريكيون اليوم مرحلةً لم تكن الأجيال الأولى لتتخيلها. فهم يمتلكون الكتلة البشرية، والتعليم، والخبرة، والنجاح المهني، والإمكانات المالية، وشبكة متنامية من الحلفاء، والأهم أنهم يمتلكون ثقة متزايدة بقدرتهم على التأثير. وما ينقصهم اليوم ليس الكفاءات ولا الالتزام، بل الإطار الوطني الجامع القادر على توحيد هذه الطاقات، وصوغ رؤية مشتركة، وتحويل هذا الرصيد الكبير إلى حضور سياسي مؤسسي دائم.

عندما وقف سليم طوطح وفؤاد شطارة أمام الكونغرس عام 1922، كانا يسعيان إلى أن يسمع الأمريكيون الرواية الفلسطينية. وبعد أكثر من قرن، لم تعد تلك الرواية غائبة عن النقاش العام الأمريكي، بل أصبحت جزءاً منه. التحدي الذي يواجه الفلسطينيين الأمريكيين اليوم لم يعد أن يُسمِعوا صوتهم، بل أن يجعلوا هذا الصوت شريكاً في صناعة القرار.

تلك، في تقديري، هي المهمة التاريخية التي ستحدد الملامح القادمة من عمر التجربة الفلسطينية الأمريكية.