فريد مرة يكتب لوطن: المصادر التعليمية المفتوحة بين الإصلاح التربوي وسؤال الهوية الوطنية

03/08/2026

أثار إعلان وزارة التربية والتعليم التوجه نحو الاعتماد على المصادر التعليمية المفتوحة موجة واسعة من النقاش، انقسمت بين من عدّه تحولًا نوعيًا في فلسفة التعليم، ومن نظر إليه بعين الريبة والخوف، ليس اعتراضًا على التطوير ذاته، وإنما على ما قد يترتب عليه من تحولات تمس المنهاج الوطني ودوره في بناء الهوية.

خاصة وانه جاء في سياق الضغوطات الاوروبيه المعتمده على المطالب الإسرائيلية بهدف تفريغ المنهاج من الهويه ومنع الفلسطيني من حرية صياغة روايته بنفسه.

وفي تقديري، فإن هذا الجدل لا يمكن حسمه بالشعارات، ولا بالاصطفاف بين مؤيد ومعارض، وإنما بقراءته من زاويتين متكاملتين: زاوية تربوية علمية، وزاوية وطنية تتعلق بوظيفة التعليم في بناء الإنسان.

من الناحية التربوية، لا خلاف على أن المصادر التعليمية المفتوحة تمثل أحد أهم التحولات في التربية المعاصرة. فقد تجاوزت النظم التعليمية الرائدة فكرة الكتاب المدرسي بوصفه المصدر الوحيد للمعرفة، واتجهت إلى تنويع مصادر التعلم، وتمكين الطالب من الوصول إلى المعرفة وتحليلها ونقدها، بدلاً من الاكتفاء بحفظها واسترجاعها. وتنسجم هذه الفلسفة مع الاتجاهات البنائية في التعلم التي ترى أن المعرفة لا تُنقل جاهزة إلى المتعلم، بل يبنيها من خلال التفاعل، والبحث، والاستقصاء، وحل المشكلات.

كما أن هذا التوجه يتوافق مع ما دعا إليه ناقدي ”التعليم البنكي”، الذي يحوّل الطالب إلى وعاء تُودع فيه المعلومات، بدل أن يكون شريكًا في إنتاج المعرفة. ويتقاطع أيضًا مع الرؤية  التي تؤكد أن دور المدرسة لا يقتصر على تقديم المحتوى، وإنما يتمثل في تعليم الطالب كيف يفكر، وكيف يتعلم، وكيف يكتشف.

ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد المصادر التعليمية المفتوحة ليس تراجعًا، بل يمثل تقدمًا تربويًا ينبغي دعمه، بل إن كثيرًا من التربويين كانوا ينتقدون الوزارة في السابق بسبب استمرار هيمنة الكتاب المدرسي بوصفه المصدر شبه الوحيد للتعلم.

لكن هذه ليست القضية التي تشغل الرأي العام اليوم.

القضية الحقيقية ليست في وجود المصادر المفتوحة، وإنما في موقع المنهاج الوطني داخل هذه المنظومة الجديدة.

ففي الأدبيات التربوية، لا يوجد تعارض بين المقرر والمصادر المفتوحة؛ لأن لكل منهما وظيفة مختلفة. فالمقرر الوطني يمثل الوثيقة المرجعية التي تحدد الفلسفة التربوية للدولة، وأهداف التعليم، والقيم التي يراد غرسها، والمعارف الأساسية التي ينبغي أن يكتسبها جميع الطلبة. أما المصادر المفتوحة فهي أدوات تعلم، تثري المنهاج، وتوسعه، وتوفر بدائل وأساليب متنوعة لتحقيق أهدافه، لكنها لا تحل محله.

ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه المواطن، قبل المتخصص، يبدو سؤالًا مشروعًا: أين المقرر؟

إن المجتمعات لا تضع مناهجها لتنظيم المعلومات فقط، وإنما لتحديد ما تعتبره معرفة مشتركة بين جميع أبنائها، وما تراه جزءًا من ذاكرتها الجماعية، وقيمها، ورؤيتها للمستقبل. ولهذا يصف علماء التربية المنهاج بأنه العقد الثقافي بين المجتمع ومدرسته.

وفي هذا السياق تحديدًا، تصبح الهوية جزءًا من فلسفة المنهاج، لا مجرد موضوع من موضوعاته.

فالتربية الحديثة تتحدث عن بناء الإنسان في ثلاثة أبعاد متكاملة: البعد المعرفي، والبعد المهاري، والبعد القيمي والهوياتي. وأي اختلال في أحد هذه الأبعاد ينعكس على وظيفة المدرسة نفسها. فبناء المهارات دون بناء الهوية يخرج أفرادًا قادرين على استخدام المعرفة، لكنهم يفتقدون الإطار الثقافي والوطني الذي يمنح تلك المعرفة معناها.

وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه القضية حساسية استثنائية؛ لأن المقرر لم يكن يومًا مجرد برنامج دراسي، بل كان أحد أهم أدوات الحفاظ على الرواية الوطنية، وتعزيز الوعي بالتاريخ والجغرافيا والانتماء، في ظل واقع سياسي معقد ونقاشات دولية متواصلة حول مضامين التعليم الفلسطيني.

ولذلك، فإن أي تغيير في طبيعة المنهاج أو في مرجعيته يثير أسئلة مشروعة، ليس لأنها تعارض التطوير، بل لأنها تتعلق بوظيفة المدرسة في الحفاظ على الذاكرة الوطنية.

فإذا كانت المعرفة ستأتي من مصادر متعددة، فمن الذي سيحدد الرواية المرجعية؟ وإذا غاب الكتاب أو تقلصت مكانته، فأين ستترسخ وحدة السردية الوطنية؟ وكيف ستضمن المدرسة أن جميع الطلبة يتشاركون الحد الأدنى من المعرفة بتاريخهم، وجغرافيتهم، وثقافتهم، وقيمهم الوطنية؟

هذه ليست أسئلة سياسية، بل أسئلة تربوية بامتياز؛ لأن التربية ليست عملية محايدة ثقافيًا، وإنما هي فعل اجتماعي يعيد إنتاج هوية المجتمع وقيمه، تمامًا كما يعيد إنتاج معارفه ومهاراته.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا الطرح على أنه دعوة للعودة إلى التعليم التقليدي، أو إلى احتكار الكتاب المدرسي للمعرفة. فالكتاب وحده لم يعد كافيًا، كما أن المصادر المفتوحة وحدها ليست بديلًا عن المنهاج الوطني.

الإصلاح الحقيقي لا يقوم على استبدال مرجعية بأخرى، وإنما على إعادة تعريف العلاقة بينهما. فالمقرر يجب أن يبقى المرجعية الوطنية التي تحدد الثوابت والأهداف الكبرى، بينما تكون المصادر التعليمية المفتوحة المجال الرحب للإبداع، والبحث، والتنوع، والتعلم الذاتي.

إن السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه صانع القرار ليس: هل نعتمد المصادر المفتوحة؟ فهذا سؤال حُسم تربويًا منذ سنوات. وإنما السؤال هو: كيف نحافظ على المرجعية الوطنية للمنهاج، وفي الوقت نفسه نواكب التطورات العالمية في التعليم؟

فنجاح أي إصلاح تربوي لا يقاس بعدد المنصات الرقمية، ولا بحجم المحتوى المفتوح، وإنما بقدرته على تحقيق معادلة صعبة: تعليم حديث يصنع العقول، ومنهج وطني يصون الهوية.

وعندما تنجح المدرسة في الجمع بين هذين البعدين، فإنها لا تخرّج طالبًا أكثر معرفة فحسب، بل تخرّج مواطنًا أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على فهم ذاته، والانتماء إلى مجتمعه، والتفاعل مع العالم من موقع الثقة بهويته، لا من موقع الذوبان فيها.