
وطن للأنباء: لم تعد غزة مجرد عنوان لحرب مدمرة، بل أصبحت عنوانًا لصراع أخلاقي وسياسي تجاوز حدود فلسطين. فمن تحت الركام، وبين الخيام، ومن مشاهد الجوع والتهجير واستهداف الإنسان والحجر، وُلد تحول عميق في الوعي العالمي، أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الضمير الإنساني، وحولها إلى معيار أخلاقي في مواجهة الظلم، بصرف النظر عن الجغرافيا أو الانتماء.
ولهذا، فإن ما عجزت الحرب عن تحقيقه بالقوة، قد تُبذل محاولات لتحقيقه بالسياسة. فمع تصاعد الحديث عن وقف الحرب، وإعادة الإعمار، وترتيبات إدارة غزة، تتشكل ملامح معركة جديدة؛ معركة لا تدور حول من يبني غزة فحسب، بل حول من يملك روايتها، ومن يرسم مستقبلها، ومن يحدد المعنى السياسي لتضحياتها.
الانتخابات، إذا جرت، لن تكون استحقاقًا إداريًا عاديًا، بل ستكون ميدانًا للصراع على الوعي الوطني. وستدخل أموال الإعمار، والنفوذ السياسي، والمصالح الاقتصادية، بوصفها عوامل مؤثرة في تشكيل المشهد القادم. فإعادة بناء غزه ضرورة لا خلاف عليها، لكن الخطر يكمن في أن تتحول عملية الإعمار إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع السياسي بما يبدد الأثر التاريخي والإنساني الذي صنعته غزة بتضحياتها.
ولا خلاف على أن غزة تحتاج إلى الإعمار، وإلى إدارة قادرة على تضميد الجراح واستعادة الحياة. لكن علينا الحذر ان هناك من يسعى لان يكون الإعمار ثمنًا لتغيير البوصلة الوطنية أو لإعادة تعريف القضية بما يخدم أجندات سياسية. فالتاريخ يعلمنا أن ما تعجز عن فرضه الحروب، قد تحاول السياسة فرضه بأدوات أكثر نعومة وأقل صخبًا.
إذا علينا الإدراك ان المعركه الحقيقية القادمه هي بين من يريد حماية الرواية والإنجازات ومن يريد تبديدها.
لهذا، فإن الانتخابات المقبلة (ان تمت ) قد تكون أخطر محطات المرحلة القادمة، لأنها لن تحسم فقط شكل السلطة، بل ستسهم في تحديد اتجاه القضية الفلسطينية نفسها. والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا هو: هل ستكون الانتخابات وسيلة لترسيخ ما صنعته غزة من تحول تاريخي في الوعي العالمي، أم مدخلًا لإعادة إنتاج واقع سياسي يفرغ تلك التضحيات من معناها؟
فأموال الإمارات الخبيثه جاهزه لتتحرك وكذلك رجال الأعمال ومنهم فلسطينيون شهيتهم لاستثمار الام غزه فتحت ، اضافة إلى كل داعميهم . كل ذلك جاهز للانقضاض على الانجازات التاربخية.
تلك هي المعركة الحقيقية التي تلوح في الأفق، معركه بين من يريد المحافظه على الانجازات ومن يريد تبديدها وهي معركة تستحق من الجميع أعلى درجات الوعي والمسؤولية.