د. مروان طوباسي* يكتب لوطن: زيارة نتنياهو إلى واشنطن، وسياق تشكيل شرق أوسط جديد على حساب فلسطين؟

30/07/2026

لا تكمن أهمية زيارة نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن فيما أُعلن عنها من تصريحات ، أو فيما تردد حول الملف النووي الإيراني أو مضيق هرمز أو سوريا ولبنان ، بل فيما تعكسه من تسارع في إعادة ترتيب أولويات الشرق الأوسط ، في لحظة يبدو فيها أن الولايات المتحدة تعمل على رسم معالم مرحلة إقليمية جديدة ، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية مع إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات .

ومن هنا ، فإن المسألة الأساسية لا تتعلق بمدى اختلاف ترامب ونتنياهو أو أتفاقهما ، بل بماهية المشروع الذي تعمل الولايات المتحدة على إنجازه ، وما هو الموقع الذي يراد للقضية الفلسطينية أن تحتله داخله ؟
لا شك أن هناك اختلافاً في ترتيب الأولويات بين واشنطن وتل أبيب ، لكنه لا يصل إلى حد الخلاف على الأهداف الاستراتيجية . فإسرائيل ، بقيادة نتنياهو ، تنظر إلى إيران باعتبارها التهديد المركزي ، وتسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة مواجهة دائمة تضمن استمرار تفوقها العسكري والسياسي . أما الولايات المتحدة ، فتتعامل مع المشهد من زاوية أوسع ، فهي معنية بأمن الممرات البحرية ، واستقرار أسواق الطاقة واستكمال ترتيبات التطبيع وخاصة مع السعودية واحتواء إيران ، والتفرغ لمنافسة الصين وروسيا ، أكثر من انخراطها في حرب إقليمية مفتوحة لا تخدم مصالحها المباشرة خاصة في اجواء المتغيرات بالرأي العام الأمريكي وبعض الأوساط السياسية من الحزبين وصعود تيار تقدمي فيها معاد للحرب ولسياسات إسرائيل .

وهذا يعني أن التباين بين الطرفين يتعلق بالإدارة والتوقيت والأدوات ، لا بجوهر المشروع . فالتحالف الأمريكي الإسرائيلي ما زال ثابتاً ، لكن واشنطن تريد إدارة هذا التحالف بما ينسجم مع مصالحها العالمية والاستراتيجية ، بينما يحاول نتنياهو توظيفه أيضاً لخدمة بقائه السياسي مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية .
غير أن القراءة الفلسطينية يجب ألا تتوقف عند هذا الحد ، فالقضية الفلسطينية ليست خارج هذه الترتيبات ، بل تقع في قلبها . فما يجري في قطاع غزة تحت عنوان "اليوم التالي" والذي حذرنا منه مرارا في مقالات سابقة ، وما يتواصل في الضفة الغربية من ضم تدريجي ، وتوسع استيطاني وإرهاب للمستوطنين وإغلاق للمدن والقرى ، وهدم مخيمات الشمال ، ليس مجرد سياسة أمنية إسرائيلية ، أو ازمات وقود او رواتب فقط تنعكس على واقع معيشة ابناء شعبنا ، وإنما جزء من مشروع أشمل يستهدف فرض إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني نفسه ، وتحويله من مشروع تحرر وطني إلى إدارة دائمة للسكان تحت الاحتلال بأشكال قد تكون مستحدثة .
ومن هنا ، لا يمكن فصل النقاش حول غزة عن مستقبل الضفة ، ولا عن محاولات دمج إسرائيل في الإقليم عبر مسارات التطبيع وخاصة مع السعودية ، ولا عن مشاريع الممرات الاقتصادية والطاقة ، ولا عن الترتيبات الأمنية الجديدة في سوريا ولبنان . فجميعها حلقات في رؤية واحدة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يحقق الاستقرار الذي تريده الولايات المتحدة ، مع الحفاظ على التفوق الإسرائيلي ، وإعادة ترتيب أدوار القوى الإقليمية .

المؤشرات المتراكمة تؤشر بل تؤكد من وجهة نظري ، بأن المطلوب ليس إنهاء الاحتلال وفق قرارات الشرعية الدولية ، بل إدارة الصراع بصورة مختلفة ، عبر ترتيبات سياسية وإدارية وأمنية تعيد إنتاج الواقع القائم بصيغ جديدة . وهذا ما يفسر الضغوط لإعادة تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية كأداة على طريق الدولة بتحويلها تدريجياً إلى إدارة ذاتية مدنية للسكان ، مع فصلها أكثر فأكثر عن المشروع الوطني التحرري ، في الوقت الذي يجري فيه تفكيك مقومات الدولة على الأرض بفعل الاستيطان والضم ، ومحاولات إعادة تشكيل قطاع غزة ضمن ترتيبات تتجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية ومرجعية منظمة التحرير .
لقد حذرنا مراراً من أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الاحتلال ، بل في نجاحه في فرض تعريف جديد للقضية الفلسطينية ، بحيث يصبح النقاش محصوراً في تحسين شروط الإدارة ، بدلاً من إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة المستقلة ذات السيادة . وهذا ما يجعل الحديث عن إصلاح السلطة ، أو إعادة هيكلة مؤسساتها ، أو تحسين أدائها الإداري ، غير كافي ما لم يكن جزءاً من قرار وطني ورؤية سياسية تعيد ربطها بوظيفتها الأصلية كأداة من أدوات المشروع الوطني التحرري ، لا بديلاً عنه .

وفي الوقت نفسه ، فإن ما تشهده إسرائيل من انقسام داخلي ، وتراجع في صورة نتنياهو ، وتحولات متدرجة في الرأي العام الغربي ، لا ينبغي أن يقود إلى أوهام بأن المشروع الاستعماري يتراجع من تلقاء نفسه . فالسياسات قد تتغير ، والحكومات قد تتبدل ، لكن جوهر المشروع الاستيطاني ما زال يحظى بإجماع واسع داخل إسرائيل وبأوساط رسمية غربية مرتبطة به ، كما أن التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ما زال يمثل ثابتاً في السياسة الأمريكية ، مهما اختلفت أساليب الإدارات المتعاقبة .
إن المرحلة الراهنة تفرض علينا نحن  الفلسطينيين الانتقال من رد الفعل إلى امتلاك المبادرة ، عبر رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية باستنهاضها وتجديدها الديمقراطي واعادتها الى سياق نشأتها ، وتوحد النظام السياسي واصلاحه وتعزز صمود المواطنين فعلاً ، وتربط الاقتصاد بالمقاومة السياسية الوطنية للاحتلال ، وتعيد بناء المؤسسات بعيدا عن التزامات أوسلو التي تخلت دولة الاحتلال عنها ، باعتبارها أدوات في معركة التحرر الوطني ، لا مجرد أجهزة لإدارة الأزمة .
فزيارة نتنياهو إلى واشنطن ليست حدثاً عابراً ، بل مؤشر على أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة الترتيب . والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط ما الذي اتفق عليه ترامب ونتنياهو . وإنما ، هل نملك نحن كفلسطينيين مشروعاً وطنياً تحررياً قادراً على مواجهة هذه التحولات ، ومنع تحويلها إلى محطة جديدة في مسار تصفية القضية الفلسطينية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل المشروع الوطني التحرري في الفترة المقبلة الذي يستند أساساً على إنهاء الاحتلال أولاً ، أكثر بكثير مما ستحدده تفاصيل أي لقاء أو تفاهم بين واشنطن وتل أبيب .
*عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح .