
منذ أن قيل للفلسطينيين المقولة الشهيرة: "بدكم وطن أكثر أم مصاري أكثر؟"، بدا وكأن المطلوب منهم أن يختاروا بين الكرامة الوطنية ولقمة العيش. اختار الناس الوطن، وصبروا، وتحملوا سنوات طويلة من التضحيات، على أمل أن يكون ذلك الطريق إلى الدولة والاستقلال.
لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، يحق للفلسطيني أن يسأل: أين الوطن؟ وأين المال؟
لا دولة مستقلة قامت، ولا الاحتلال انتهى، ولا الاستيطان توقف. بل تمددت المستوطنات، وتقلصت الجغرافيا الفلسطينية، وأصبحت الحواجز جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
وفي المقابل، لم ينعم المواطن حتى بالاستقرار الاقتصادي الذي قيل إنه سيكون ثمرة المرحلة الانتقالية. تحولت الرواتب إلى أنصاف وأجزاء، وأصبح موعد صرفها مجهولًا، وتراكمت الديون على الموظفين، وارتفعت الأسعار، واتسعت دائرة البطالة والفقر، وأصبح الشباب يبحثون عن مستقبل خارج وطنهم.
ثم يأتي مؤتمر جديد ليحدث الناس عن العجز المالي، وعن ضيق الخزينة، وعن أزمة المقاصة، وكأن الفلسطيني لا يعيش هذه الأزمة كل يوم. فالمواطن لا يحتاج إلى من يخبره أن الخزينة فارغة؛ فهو يقرأ ذلك في دفتر ديونه، وفي فاتورة الكهرباء، وفي أقساط الجامعات، وفي عجزه عن تلبية أبسط احتياجات أسرته.
لا أحد ينكر أن الاحتلال يتحمل مسؤولية كبيرة عن خنق الاقتصاد الفلسطيني، بسيطرته على الأرض والموارد والمعابر وأموال المقاصة. لكن الاعتراف بذلك لا يلغي الحاجة إلى مراجعة شاملة للواقع الداخلي، ولا يبرر استمرار الأزمات دون حلول واضحة، بينما يبقى المواطن هو من يدفع الثمن.
لقد أصبح الفلسطيني يدفع فاتورتين في آن واحد؛ فاتورة الاحتلال، وفاتورة الأزمة الاقتصادية. وفي كل مرة يكون المطلوب منه المزيد من الصبر، بينما يزداد واقعه قسوة.
واليوم، لم يعد السؤال: "بدكم وطن أكثر أم مصاري أكثر؟" لأن الفلسطيني بعد كل هذه السنوات يشعر أنه خسر الاثنين معًا؛ فلا الوطن الذي وُعد به تحقق، ولا الحياة الكريمة التي انتظرها جاءت.
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال صعب: هل يمكن الاستمرار في إدارة أزمة لا تنتهي؟
هناك من يرى أن الوصول إلى مرحلة الإفلاس يستدعي إعادة النظر جذريًا في المعادلة القائمة، وأن استمرار الوضع الحالي جعل الفلسطينيين يتحملون أعباء إدارة تفاصيل الحياة اليومية، بينما يبقى الاحتلال صاحب السيطرة الفعلية على الأرض والموارد.
ومن هنا يظهر طرح "إلقاء المفاتيح"؛ ليس كقرار بسيط أو خطوة بلا حسابات، بل كرسالة سياسية مفادها أن من يملك السيطرة يجب أن يتحمل مسؤولياته كاملة، وأن العالم مطالب بمواجهة حقيقة الاحتلال بدل الاكتفاء بإدارة أزماته.
لكن أي خيار بهذا الحجم يحتاج إلى رؤية وطنية واضحة، لأن السؤال ليس فقط كيف نرفض الواقع، بل كيف ننتقل إلى واقع أفضل، وكيف نحمي مصالح الناس في ظل أي تحول قادم.
لم يبقَ من أوسلو سوى واقعٍ بعيد عن الوعود التي حملها؛ سلطة بصلاحيات محدودة، واحتلال يواصل فرض وقائعه على الأرض، ومواطن يقف في المنتصف يدفع ثمن كل شيء.
قيل للفلسطيني إن أوسلو ستكون طريقًا نحو الحرية والازدهار، فإذا به يصل إلى زمن يبحث فيه عن راتب كامل، وعن أرض لا تُصادر، وعن مستقبل لا يدفع أبناءه إلى الرحيل.
فالإفلاس الحقيقي ليس أن تنقص الأموال، بل أن تتحول الوعود إلى عبء، وأن يصبح الحلم الذي عاش عليه الناس لسنوات سؤالًا مؤلمًا بلا جواب.
وبعد أكثر من ثلاثين عامًا، لم يعد السؤال: متى تأتي الدولة؟
بل السؤال الأقسى:
هل ضاعت الدولة في طريق أوسلو... أم أننا وصلنا إلى مؤتمر الإفلاس لأن الطريق كان يسير في الاتجاه الخطأ؟
فالتاريخ لا يحاكم فقط من أعلن الأزمات، بل يسأل أيضًا: من صنع الوعود؟ ومن ترك شعبًا كاملًا يدفع كل هذا الثمن .