يونس العموري يكتب لوطن: نبوءة العرافة الأخيرة

29/07/2026

وطن للأنباء: وقالت العرافة، وهي تحدق في وجوه المنتظرين، كأنها ترى ما لا تراه العيون، إن ثمة سنوات عجاف، وإن الشمس والقمر لن يسجدا، بل سيختفيان عن الأنظار، وإن الجلوس بقعر الانهيار سيغدو تأملًا وانتظارًا، وإن صراع الأباطرة على ناصية مفارق الطرقات لم يعد يدار خلف الأبواب الموصدة، بل أضحت فصوله علنية وواضحة للعيان، والطرقات باتت وسخة، والعشاق يهربون مهرولين نحو الأزقة المظلمة، يحمل كل منهم بقايا حلم كان يظنه يومًا قابلًا للحياة...

وأردفت العرافة بالقول الفصيح، بعدما صمتت برهة، وانتفضت ارتعاشًا، وكأنها كانت تسمع صدى السنين القادمة قبل أن تولد، ثم صرخت بوجه الجمع، وبوجه المنتظرين لاكتمال الحكاية، والحكاية ما زالت بأبجدياتها الأولى، وما زالت فصولها تتوالد من رحم الخراب... قالت إن الشمس قد تشرق من هنا، وقد تغرب من هناك، وإن القبائل أخذت قرارها، وانتدبت الأقوياء من فتيتها، ليضربوا الحلم ضربة واحدة، ويتوزع الدم بين أمراء العشائر، وكأن الدم لم يعد ملكًا لصاحبه، بل غنيمة يتقاسمها المنتصرون...

وكانت العرافة، وهي تنظر إلى وجوه القوم، تعرف أن الحكاية ليست جديدة، وأن الزمن لا يبدل سوى الأسماء، أما الوجع فيبقى واقفًا في المكان ذاته، ينتظر من يروي شهادته الأخيرة...

وابن الخطاب عمر طعن وقتل ببيت الله، ووجهته نحو القبلة متضرعًا لرب عرش السماوات، ومن تم طعنه وذبحه من الوريد إلى الوريد في البيت الآمن الأمين، والحكاية ما زالت تكرر ذاتها منذ مئات السنين، تتبدل الوجوه، وتتغير الأسماء، ويبقى المشهد ذاته، ويبقى الدم هو الشاهد الأخير على عبثية الزمن...

وكانت العرافة تعلم أن من يمشي في دهاليز التاريخ لا يعود كما كان، وأن كل خطوة بين الركام تحمل سؤالًا لا يجد له جوابًا...

استجمع ثناياي، وأسير بين الرذاذ، كقادم على منصة الحقيقة، ومن خلفي من يلهث، في محاولة منه ليفهم ما يمكنه فهمه، في ظل حكم العشائر القبلية، حيث الكلمة تقاس بموازين القوة، والحقيقة تؤجل حتى إشعار آخر... غريب عن المكان، ولعلي بالمواقيت الخاطئة آتي، أو عساني لا أستوعب آهاتي، وصرخاتي، وعذابات ذاتي. أجلس الليلة وحيدًا، بعد أن كان نهاري صاخبًا، وأسأل... كيف قدسك؟ وكيف أهلها؟ وبشرها وحجرها؟ وهل ما زالت عنيدة؟ أبية؟ صامدة؟ أم تراها استسلمت لمغتصبيها ..؟؟

وكانت العرافة، في مكان ما بين الغياب والحضور، تسمع السؤال ذاته، فقد كانت تعرف أن المدن العظيمة لا يسأل عنها الغرباء إلا حين تصبح جراحها أعمق من أن تخفى... كيف هم مجانينها؟ وعشاقها؟ ونساء القدس، أما زلن جميلات؟ وحواريها، أما زال أحد بالانتظار في أزقتها لحبيبة، بعدما تسلل الظلام واستراح على أسوارها؟ وكيف هي موسيقاها؟ وهل ما زالت تعرف الطريق إلى القلوب، أم أن الضجيج قد غلب أنغامها؟

اجلس غريبًا الليلة، بعدما انفض الجمع من حولي، وكانت التساؤلات في عيونهم أكثر من الكلمات، فللقدس تناقضاتها، كما أنا، وبقليل من الصبر يستمعون إلى كلامي وحديثي، ولربما لا يحتملون أكثر، ولعلهم قد شاهدوا صورتك مرتسمة بلمعان عيوني...

وكانت العرافة تعرف أن بعض الصور لا تُرى إلا بعيون العاشقين، وأن المدن التي تسكن الروح لا تحتاج إلى خرائط، فهي تظهر حين تضيق المسافات، وحين يصبح الحنين أكثر صدقًا من الحضور... فحينما أحدثهم عن القدس، تحضرين يا أميرتي، كفراشة تحوم بالمكان، ويكون أن تأتيني، صارخة الجمال، حاضرة بقسوة الشجن والأحزان، وحينها تترقرق دمعتان، ليس أكثر، وتتشكل شظايا الصورة، وبلحظة اشتياقي، أنظم كلماتي، وتختلط حروفي، وأحلق بأحاديثي، وتصبحين أنت القدس والوطن...

وكانت العرافة، وهي تحفظ أسرار العشاق والمدن، تدرك أن بعض النساء لا يكنّ مجرد حضور عابر، بل يصبحن ذاكرة كاملة، ووطنًا آخر يسكن القلب حين تضيق الأوطان .... واستشعر اغتصابها، وأزماتها، وأشجانها بوجهك سيدتي، وكما هي القدس منتظرة، فأنت أيضًا تنتظرين، لصفاء اللحظة، ولهدوء الريح، ولشبق أنوثتك، وأنا الغريب دومًا عن المكان واللحظة، أستمع إلى موسيقاي، وأسافر نحوك، وأبدأ رحلة في مملكتي، تكونين فيها أنت، فرعونية، كنعانية، بابلية، مقدسية، تتربعين على عرش الحكاية، وتجلسين فوق أزمنة المدن جميعها، كأنك البداية حين يبدأ التاريخ، وكأنك النهاية حين يتعب المؤرخون من كتابة الهزائم...

والعرافة ترى فيك امتدادًا للحكاية القديمة، حكاية المدن التي لا تولد مرة واحدة، بل تولد في كل قلب أحبها، وفي كل عين رفضت أن تنساها... وأعود لأحدثهم عن قدس الحكايا، وعن ممالك العشاق فيها، وعن الذين كانوا ينتظرونها في المقاهي، منذ أن كان الانتظار صلاة، ومنذ أن كانت المواعيد لا تخطئ الطرق المؤدية إلى أسوارها... وما هي إلا لحظات حتى أتكور على ذاتي وإياك، لأنتظر معجزة اللقاء، وأنتظر أن تنبثق اللحظة من رحم الغياب، وأن ينتصر الحلم ولو لمرة واحدة على الوقائع...

وقالت العرافة .. إن المعجزات لا تأتي دائمًا كما يشتهي المنتظرون، وإنها كثيرًا ما تصل بعد أن يرهق الانتظار أصحابه، لكنها تأتي حين يبقى في القلب موضع صغير لم تطأه الهزيمة... وعند انبلاج اللحظة، من عالم الخيال إلى الوقائع المستحدثة، يكون الكابوس قد سبقها، ويأتيني ليقض مضاجع الحلم، وتكون روما قد أعلنت خيانتها من جديد، وصكوك الغفران قد منحت للقاتل أخيرًا، وأصبح المقتول ممعنًا بالجريمة، وما كان له أن يقتل لولا أنه جاء بالدين الجديد، ولولا أنه حمل كلمة لم تردها السيوف، ولا أرادتها المعابد التي اعتادت أن تبارك الدم، ثم تبحث له عن نص يبرره...

وكانت العرافة، وهي تستعيد صفحات الأزمنة، تعرف أن التاريخ ليس دائمًا ما حدث، بل ما استطاع الأقوياء أن يتركوه مكتوبًا بعد أن يسكتوا أصوات الآخرين... وكان العشاء الاخير، بعرف هؤلاء، الكذبة الكبيرة، ووفقًا لمقاييس حبرهم، وعطاءات كهنتهم، صار لزامًا أن تعاد صياغة النصوص المقدسة، لتستوي المعاني وفقًا للمتغيرات المتفق عليها، وتنحني الروايات أمام السلطان المنتصر، وتصبح الحقيقة مجرد رواية أخرى، يكتبها من بقي واقفًا فوق ركام المدن...

انقلبت الموازين، أيها السادة، في قبائل روما الحاكمة، ودموع العذارى على معابد الرب، صارت مشهدًا مزعجًا بأعراف القوانين الغازية، لدهاليز كهنوت الضفة الأخرى على شواطئ المتوسط.

وكانت العرافة، وهي تراقب حركة الزمن بين المدن المنهكة، تعلم أن الموازين حين تنقلب لا تسقط الأشياء من أماكنها فقط، بل تسقط معها المعاني، وتصبح الكلمات رهينة من يملك القوة، وتتحول الحكايات إلى ساحات أخرى للصراع... ومنذ تلك اللحظة، صار للرواية مكامن أخرى، وللحكاية وجهة مختلفة، وللعشاء الأخير سيرة متعاكسة في أفئدة القابعين المنتظرين للبعث الجديد للسيد المسيح... وقد يكون ممكنًا، منذ الآن، تصديق رواية كبير سدنة المعبد القديم، أن ابن البتول ما كان له أن يأتي هناك، ولم يتكلم في مهده، ولم يشف مريضًا، ولم يبعث أملًا في قلوب المنكسرين، فقط لأن الرواية الجديدة اقتضت ذلك، ولأن الحقيقة، في عرف الغالب، لا تكتبها السماء، بل يكتبها المنتصرون... والعرافة قد حذرتهم منذ البداية، وقالت إن أخطر ما يمكن أن يصيب المدن ليس سقوط أسوارها، بل سقوط الذاكرة عنها، وأن القتلة لا يكتفون بسفك الدم، بل يحاولون قتل القصة التي بقيت بعد الدم...

يا ابن مريم، أنبئك أن معبدك قد دنس، وأن سادة الروم بالرماح قد عادوا ليصلبوك مرة أخرى، لا على خشبة، بل على مشانق أغصان الزيتون المقطعة أوصالها بجوار أسوار البلدة العتيقة... وعادوا يحملون ذات الرماح، وذات الكراهية، وذات اليقين بأن الحقيقة يمكن أن تقتل إذا قتل أصحابها، وأن المدينة يمكن أن تموت إذا هدمت أسوارها...

لكن العرافة، وهي التي قرأت وجوه الغزاة قبل أن تطأ أقدامهم الحجارة، كانت تعرف ما لا يعرفون ، أن المدن التي تسكن الأنبياء لا تموت، وأن الزيتون، وإن قطعت أغصانه، يبقى شاهدًا على من مروا من هنا، وعلى من سيأتون... وأنا هنا، قابع بالمكان، منتظرًا المعجزة، إشارة كانت أم بشارة، كلمة تتسلل من بين الركام، أو نافذة يطل منها الضوء على مدينة أثقلتها الحروب.

وتلوح بالأفق جميلة، تخترق الحواجز، لا تعبأ بالأسلاك، ولا بالجدران، ولا بنقاط التفتيش، تأتي لتلقي مزاميرها، وتجبرنا على الانصياع للنداء الأخير، في الربع الساعة الأخيرة، في الظرف الراهن، حيث لم يعد بين الانتظار والقيامة سوى شهقة واحدة...

ووما زالت العرافة تقول إن المدن التي يحملها العشاق في قلوبهم لا تحتاج إلى إذن للعبور، وإن الروح حين تهب للمدينة سرها، تصبح كل الحواجز مجرد حجارة تنتظر السقوط... وقد تكون أورشليم قد أضحت الحقيقة، ويكون التجوال سيد الموقف، لسادة الفقراء، والقادمين من أقاصي الدنيا، لنصرة عشاق القدس، ومجانينها، وكل الذين ما بدلوا العهد، ولا باعوا الحلم، ولا استبدلوا المدينة بخيمة على هامش التاريخ...

نعتلي المنصة، ونمارس فن الصراخ، لا بحثًا عن ضجيج، بل انعكاسًا للحظة التوق، وخروجًا من قيود دبلوماسية الكلام، التي ما عادت تصلح لوصف هذا الخراب... وللكلام أن يعبر عن كينونة الخوف فينا، من أن تتغير أسماؤنا، وأن نتوه بصحاري التيه مرة أخرى، باحثين، لاهثين، خلف سراب الماء المتدفق من هناك، حيث العطشى إلى الأمل، وحيث الذين ما زالوا يصدقون أن للمعجزة موعدًا، وأن للسماء كلمة أخيرة، مهما طال صمتها...

العرافة تعرف أن الصمت الطويل لا يعني غياب الكلمة، وأن السماء، وإن تأخرت، لا تفقد قدرتها على أن تقول الفصل الأخير... نقف لبرهة من الزمن، قبل الصراخ، وقبل افتعال الضجيج، ويكون القرار، بأن لا بد من ممارسة أعتى أشكال الجنون... فالجنون وحده، في زمن العقل المهزوم، يصبح ضربًا من الحكمة...

وكان العبور صعبًا باتجاه الميادين، فالكل يبحث عن موطئ قدم لقوت يومه، وسط الزحام، واختطاف الكلام، ومصادرة المعنى، والاجتهاد في أن تعلو كلمة القدس فوق الأشهاد.


وكانت العرافة قد رأت أن الخوف، في كثير من الأحيان، يرتدي ثياب الحكمة، وأن الذين يؤجلون الوقوف مع الحق حتى يصبح آمنًا، يصلون متأخرين إلى الحكاية...

وكنا نحمل ثقل السنين، وثقل الأنين، وثقل المدن التي تعلمت كيف تخفي أوجاعها خلف ابتسامة عابرة... وكانت العرافة، وهي تحمل في ذاكرتها وجوه الذين عبروا هذه الأرض، تعرف أن المدن لا تئن بصوت مرتفع، بل تترك في حجارتها أثرًا لا يقرأه إلا من امتلك قلبًا يصغي إلى الصمت...

ايها القاعدون هناك في البيداء العربية .. نأتي إليكم، محملين بآهاتهم، ووجعهم، ونحاول أن نكون المؤدبين، المؤدلجين، الذين يجيدون احترام النساء، وكيفية الجلوس عند ارتشاف القهوة، والعبث بالأسماء، واستحضار المصطلحات التي ترضي صناع القرار... ونستذكر، كلما ضاقت بنا الحكاية، أن لنا حاجة عندكم، فنجتهد بالتحليل، والشرح، وتقديم المعلومة، وتفنيدها، على أعتاب صناع القرار بالصحراء... وكانت العرافة تنظر إلى هذا العبور الطويل، وتدرك أن الذين يحملون وجع المدن لا يملكون سوى الكلمات، وأن الكلمات، مهما بدت ضعيفة أمام السيوف، قد تكون آخر ما يبقى حين تسقط كل الأشياء... وقبل ذلك كله، كنا نظن أن العبور إلى حيث يصاغ التاريخ الجديد، قد يوقظ ضميرًا غفا طويلًا، أو يؤنب من كان غافلًا عن نصرة أم المدائن العتيقة، وكان شاهدًا على الذبح من الوريد إلى الوريد، ثم أدار وجهه ومضى، كأن الدم لا يعنيه، وكأن القدس ليست آخر ما تبقى من ذاكرة الأرض... قلنا الكثير من الكلام، وحذرنا من لحظة الصحوة، أن تأتي متأخرة، بعد أن تلفظنا القدس، وتبكينا، وتبكي رجالها، ونساءها، وعشاقها...

وكانت العرافة تعرف أن للمدن لحظة غضب، وأن القدس، حين تصمت طويلًا، لا يعني صمتها أنها نسيت، بل يعني أنها تجمع في أعماقها كل ما قيل عنها، وكل ما ارتكب بحقها، وكل الذين مروا ولم يلتفتوا إلى جرحها... وبكاء القدس، حينها، لن يكون كبكاء المدن، ولن يكون كدموع العاشقين، بل سيكون بكاء الأرض كلها، وهي تشهد أن الذين أحبوها تأخروا كثيرًا... كثيرًا... حتى صار الانتظار وطنًا آخر، وصارت الحكاية تبحث عمن يرويها قبل أن يبتلعها الصمت...

وهنا، صمتت العرافة... لم يكن صمتها عجزًا عن الكلام، بل كان آخر فصول النبوءة... نظرت إلى الجمع، وإلى الطرقات، وإلى المدينة التي حملت فوق أسوارها تعب القرون، وقالت إن الحكايات العظيمة لا تنتهي حين يسقط أبطالها، بل حين يتوقف الآخرون عن روايتها... ثم مضت بين الرذاذ، تحمل آخر كلماتها، وتركت خلفها سؤالًا معلقًا في الهواء .. من سيحفظ القدس حين يصبح النسيان هو الخراب الأخير .. ؟