التعديلات الإنتخابية بين تطوير المنظومة الديمقراطية وضمان إستقرار الشرعية الدستورية

23/07/2026

كتبت الباحثة حلا أبو رعية: لم تعد الإنتخابات الفلسطينية مجرد إستحقاق دستوري مؤجل، بل أصبحت ضرورة وطنية وقانونية لإعادة بناء الشرعية الدستورية واستعادة ثقة المواطن بالمؤسسات العامة، بعد سنوات طويلة من تعطل المجلس التشريعي وغياب تجديد الإرادة الشعبية.

ومن هذا المنطلق، جاءت التعديلات الأخيرة على قانون الإنتخابات العامة لتشكل تحولاً في فلسفة التشريع الإنتخابي، إذ لم تقتصر على تعديل نصوص قانونية، وإنما أعادت رسم معالم المشاركة السياسية وآليات التمثيل الديمقراطي بما يتلاءم مع المتغيرات الوطنية.


ويعد رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي من (132) إلى (200) عضواً من أبرز التعديلات وأكثرها تأثيراً، إذ يعكس توجهاً نحو توسيع قاعدة التمثيل الشعبي وإتاحة الفرصة لمشاركة أوسع للقوى السياسية والمستقلين والكفاءات الوطنية.

فكلما اتسعت دائرة التمثيل، زادت قدرة المجلس على التعبير عن التنوع السياسي والإجتماعي، بما يعزز من شرعيته ويمنحه مساحة أوسع لممارسة اختصاصاته التشريعية والرقابية.


وفي السياق ذاته، فإن تعزيز تمثيل المرأة من خلال اشتراط وجود امرأة ضمن أول ثلاثة مرشحين، ثم امرأة ضمن كل ثلاثة مرشحين تليهم، يمثل نقلة نوعية في ضمان المشاركة السياسية للمرأة، ويجسد انتقال المشرع من مرحلة التشجيع إلى مرحلة الإلزام القانوني، بما يسهم في تعزيز العدالة التمثيلية ويؤكد أن الديمقراطية الحقيقية لا تكتمل دون مشاركة فاعلة للمرأة في صناعة القرار.


تخفيض سن الترشح إلى (23) عاماً يعكس توجهاً واضحاً نحو تمكين الشباب وإفساح المجال أمامهم للمشاركة المباشرة في الحياة السياسية، وهو ما ينسجم مع حقيقة أن الشباب يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع الفلسطيني.

فإشراكهم في مواقع صنع القرار لا يقتصر على تجديد النخب السياسية، وإنما يسهم في إنتاج رؤى أكثر ارتباطاً بالواقع والتحديات المستقبلية.


أما تخفيض نسبة الحسم إلى (1%)، فيمثل توجهاً لتعزيز التعددية السياسية ومنح القوائم الصغيرة والمستقلين فرصة حقيقية للوصول إلى المجلس التشريعي، الأمر الذي يثري الحياة البرلمانية ويحد من احتكار التمثيل السياسي. ومع ذلك، فإن هذا التعديل قد يثير نقاشاً حول إحتمال زيادة التشتت داخل المجلس، وهو ما يتطلب تعزيز ثقافة التحالفات والعمل البرلماني المشترك لضمان فعالية المؤسسة التشريعية.


كما أن رفع الحد الأدنى لعدد مرشحي القائمة إلى (20) مرشحاً يعكس رغبة المشرع في تشكيل قوائم أكثر استقراراً وتمثيلاً، بما يعزز الطابع البرامجي للعملية العانتخابية، ويحد من ظاهرة القوائم المحدودة أو الفردية، ويشجع على بناء تحالفات سياسية قادرة على تحمل مسؤولية العمل التشريعي.


وفي المقابل، فإن أي إصلاح تشريعي، مهما بلغت أهميته، يبقى مرهوناً بإستقرار البيئة القانونية التي ينفذ في إطارها.

فالقوانين الإنتخابية يجب أن تتسم بالوضوح والثبات، لأن الناخب والمرشح على حد سواء يبنيان قراراتهما على قواعد قانونية مستقرة. ومن هنا، فإن ما أثير بشأن إحتمال تعديل عدد المقاعد أو إعادة توزيعها عبر تسريبات إعلامية، إن صح تداوله، يستوجب حسمه بإعلان رسمي واضح، لأن إدارة العملية الإنتخابية لا تحتمل الغموض أو تضارب المعلومات، بل تقوم على مبدأ اليقين القانوني الذي يشكل إحدى أهم ضمانات نزاهة الإنتخابات.


إن قيمة هذه التعديلات لا تقاس بصدورها فحسب، وإنما بقدرتها على إنتاج إنتخابات حرة ونزيهة تعيد للمؤسسات الفلسطينية شرعيتها، وتفعل دور المجلس التشريعي في التشريع والرقابة والمساءلة، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على المشاركة الواسعة وسيادة القانون.

فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بمجرد تعديل النصوص، وإنما بإرادة سياسية تلتزم بإحترام القانون، وتضمن إستقرار قواعد العملية الإنتخابية، وتجعل من الإنتخابات وسيلة لتجديد الشرعية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ مبادئ الديمقراطية الدستورية التي تشكل الأساس لأي نظام سياسي يسعى إلى بناء مؤسسات قوية وفاعلة.

المرحلة المقبلة تقتضي الإلتزام الصارم بأحكام التعديلات التشريعية، بإعتبارها الإطار القانوني الناظم للعملية الإنتخابية، بما يفرض على لجنة الإنتخابات المركزية متابعة تنفيذها وفق أعلى معايير الحياد والشفافية، ترسيخاً للثقة العامة، وضماناً لسلامة الإجراءات، وتحقيقاً للغاية الدستورية المتمثلة في تجديد الشرعيات عبر انتخابات حرة ونزيهة.

وفي إطار ترجمة هذه التعديلات إلى واقع عملي، يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به لجنة الإنتخابات المركزية مشكوره بإعتبارها الجهة المختصة قانوناً بإدارة العملية الإنتخابية والإشراف على جميع مراحلها.

وقد رحبت اللجنة بالمرسوم الرئاسي القاضي بتحديد موعد الإنتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مؤكدة جاهزيتها الكاملة لتنفيذ أحكامه، والإعلان عن الجدول الزمني الناظم للعملية الإنتخابية وفقاً للقانون.

كما بادرت إلى فتح باب التسجيل الإلكتروني وتحديث سجل الناخبين، في خطوة تعكس استعدادها المؤسسي، وتؤكد أهمية مشاركة المواطنين في تحديث بياناتهم وممارسة حقهم الدستوري في الإنتخابات، بإعتبار أن نجاح العملية الإنتخابية مسؤولية تشاركية تبدأ من جاهزية المؤسسات، ولا تنتهي عند وعي الناخب وإقباله على المشاركة.
وعليه، فإن القيمة الحقيقية لهذه التعديلات لا تكمن في صدورها فحسب، وإنما في الإلتزام بتطبيقها تطبيقاً سليماً وفق أحكام القانون، بما يحقق الغاية التي شُرعت من أجلها.

فنجاح الإنتخابات يقاس بسلامة الإجراءات، وإستقرار البيئة القانونية، وتعزيز ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية، وصولاً إلى تجديد الشرعيات وترسيخ مبادئ سيادة القانون والمؤسسات.