
كتب اسماعيل الريماوي: يسود الاعتقاد بأن الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن تلك التي أعقبت ما سُمّي بـ"الربيع العربي"، كما تختلف عن المرحلة التي هيمنت فيها المواجهة بين إسرائيل وإيران على المشهد الإقليمي، فالحرب على غزة، وما رافقها من تحولات عسكرية وسياسية، إلى جانب تراجع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات، فتحت الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى، ليبرز تنافس جديد بين قوتين إقليميتين تمتلكان طموحات واسعة، هما تركيا وإسرائيل، في سباق يبدو أنه سيتحول إلى أحد أبرز محددات مستقبل المنطقة خلال السنوات المقبلة.
لم يعد الخلاف بين أنقرة وتل أبيب مجرد تباين في المواقف السياسية أو سجال دبلوماسي مرتبط بالقضية الفلسطينية، بل أصبح تنافسًا استراتيجيًا على قيادة الشرق الأوسط الجديد، وعلى ملء الفراغ الذي خلفته الحروب وتراجع أدوار قوى إقليمية أخرى، فكلا الطرفين يدرك أن النظام الإقليمي الذي يتشكل اليوم سيحدد موازين القوة لعقود مقبلة، ولذلك يسعى كل منهما إلى تثبيت حضوره في الملفات الأكثر تأثيرًا، من سوريا إلى شرق البحر المتوسط، ومن الصناعات العسكرية إلى مراكز صنع القرار في واشنطن.
وتبقى الساحة السورية النموذج الأوضح لهذا التنافس، فتركيا تنظر إلى سوريا باعتبارها عمقًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط به، وتعتبر أن أمنها القومي يبدأ من حدودها الجنوبية، لذلك تعمل على منع قيام أي كيان كردي مستقل، وتسعى إلى الاحتفاظ بنفوذها العسكري والسياسي في الشمال السوري، مع محاولة لعب دور رئيسي في أي تسوية سياسية مقبلة، في المقابل، تنظر إسرائيل إلى سوريا من زاوية مختلفة؛ فهي تريد ضمان استمرار تفوقها الأمني، ومنع أي تهديد قد ينشأ على حدودها، والحفاظ على حرية عملياتها العسكرية، وفي الوقت ذاته تراقب بحذر تنامي الحضور التركي الذي بات يقترب من مناطق تعتبرها ذات أهمية استراتيجية، وهكذا أصبحت سوريا ساحة يتقاطع فيها مشروعان إقليميان لكل منهما رؤية مختلفة لمستقبل البلاد ولشكل التوازنات في المنطقة.
ولا يقل شرق البحر المتوسط أهمية عن الساحة السورية، إذ أصبح بدوره ميدانًا رئيسيًا للتنافس. فالثروات الغازية، وخطوط نقل الطاقة، والممرات البحرية، تحولت إلى عناصر قوة لا تقل أهمية عن القوة العسكرية، وترى تركيا أنها صاحبة موقع جغرافي يمنحها حقًا طبيعيًا في أن تكون لاعبًا رئيسيًا في معادلة الطاقة، وترفض أي ترتيبات تستبعدها من مشاريع استخراج الغاز أو نقله، أما إسرائيل، فقد عملت خلال السنوات الماضية على بناء شبكة واسعة من الشراكات الإقليمية والدولية، بهدف ترسيخ موقعها كمركز لتصدير الغاز نحو الأسواق الأوروبية، ما يجعل التنافس بين الطرفين يمتد من السياسة إلى الاقتصاد والطاقة والجغرافيا.
وفي موازاة ذلك، تتسابق أنقرة وتل أبيب على تعزيز نفوذهما داخل الولايات المتحدة، حيث يدرك الطرفان أن واشنطن ستبقى اللاعب الدولي الأكثر تأثيرًا في ملفات الشرق الأوسط، فإسرائيل تمتلك شبكة نفوذ تقليدية قوية داخل الكونغرس ومراكز الضغط الأمريكية، مع انحدار كببر في مكانتها في الساحة الأمريكية بعد الحرب على غزة بينما تحاول تركيا توظيف موقعها داخل حلف شمال الأطلسي، وثقلها الجيوسياسي، وتنامي صناعاتها الدفاعية، لتعزيز حضورها في الحسابات الأمريكية، هذا لا يعني أن البلدين يتجهان إلى مواجهة مباشرة، لكنه يعكس صراعًا هادئًا على التأثير في القرارات الأمريكية المتعلقة بمستقبل المنطقة.
كما أن سباق التسلح والصناعات العسكرية أصبح أحد أبرز وجوه هذا التنافس، فقد نجحت تركيا خلال السنوات الأخيرة في بناء قاعدة صناعية دفاعية متطورة، خاصة في مجالات الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والصواريخ، وهو ما منحها أدوات جديدة لتعزيز نفوذها الإقليمي، وفي المقابل، ما زالت إسرائيل تحافظ على مكانتها باعتبارها إحدى أكثر الدول تقدمًا في التكنولوجيا العسكرية والأمنية، وتسعى
باستمرار إلى الحفاظ على تفوقها النوعي وتوسيعه عبر الابتكار والتحالفات الدفاعية، لذلك فإن ميزان القوة بين الطرفين لم يعد يقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الجيوش، بل أيضًا بقدرتهما على تطوير التكنولوجيا وتصديرها واستخدامها كوسيلة لتعزيز النفوذ السياسي.
وفي خضم هذا المشهد، يجد العالم العربي نفسه أمام واقع إقليمي معقد، إذ تحاول كل من تركيا وإسرائيل توسيع شبكة علاقاتها وتحالفاتها مع الدول العربية، مستفيدة من التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخير، فتركيا تراهن على أدواتها الاقتصادية والسياسية والثقافية، بينما تستثمر إسرائيل اتفاقيات التطبيع والتعاون الأمني والاقتصادي لتعزيز حضورها، وبين هذا وذاك، تتحول المنطقة العربية إلى إحدى ساحات التنافس غير المباشر، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة.
إن الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم ليس نسخة معدلة من الماضي، بل هو نظام إقليمي جديد يعاد رسمه تحت تأثير الحروب والتحولات الكبرى، ومع تراجع أدوار بعض القوى وصعود أخرى، يبدو أن التنافس التركي–الإسرائيلي سيكون أحد أهم العوامل المؤثرة في رسم خرائط النفوذ، ليس فقط في سوريا وشرق المتوسط، بل في مجمل القضايا الاستراتيجية التي ستحدد مستقبل المنطقة.
ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت أنقرة وتل أبيب تتنافسان، فذلك بات واقعًا واضحًا، وإنما إلى أي مدى سيصل هذا التنافس، وهل سيبقى محصورًا في إطار المنافسة السياسية والاقتصادية، أم أنه سيتحول إلى صراع أكثر حدة على قيادة الشرق الأوسط الجديد؟ فالمؤشرات الحالية توحي بأن المنطقة تدخل مرحلة عنوانها إعادة توزيع النفوذ، وأن السنوات المقبلة ستشهد سباقًا محمومًا بين القوتين لترسيخ مكانتهما في نظام إقليمي لم تستقر ملامحه بعد، لكنه سيكون بلا شك أكثر تعقيدًا، وأكثر تأثيرًا في مستقبل العالم العربي.
أما القضية الفلسطينية، فإنها قد تكون من أكثر الملفات تأثرًا بهذا التنافس المتصاعد، فبينما تواصل إسرائيل سعيها لفرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان وحسم مستقبل القدس والضفة الغربية وغزة وفق رؤيتها الأمنية والسياسية، تحاول تركيا تقديم نفسها بوصفها أحد أبرز المدافعين عن الحقوق الفلسطينية، مستثمرة هذا الموقف لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، غير أن هذا التنافس، مهما بلغت حدته، لا يعني بالضرورة أن القضية الفلسطينية ستصبح أولوية لدى أي من الطرفين، إذ تبقى خاضعة في النهاية لحسابات المصالح والاستراتيجيات الإقليمية، ومن هنا فإن مستقبل فلسطين لن يتحدد فقط بموازين القوى بين أنقرة وتل أبيب، بل بقدرة الفلسطينيين على توحيد موقفهم الوطني، واستثمار التحولات الإقليمية والدولية بما يخدم حقوقهم المشروعة، فالتاريخ يثبت أن تنافس القوى الإقليمية قد يفتح فرصًا، لكنه قد يحول القضية أيضًا إلى ورقة في صراعات النفوذ، إذا غاب المشروع الوطني الفلسطيني القادر على تحويل تلك المتغيرات إلى مكاسب سياسية حقيقية.