لا تقتلوا الرواية الفلسطينية مرتين

08/07/2026

كتب: رزق عطاونة

ليست القضية اليوم في اختلاف الفلسطينيين حول مفردة أو توصيف ولا في الجدل الدائر بين كاتب وآخر أو بين تيار وآخر بل في السؤال الأكبر الذي يجب أن يبقى حاضرا في الوعي الفلسطيني والعالمي كيف يمكن تحويل واحدة من أكبر الجرائم التي شهدها العصر الحديث إلى قضية عدالة دولية لا إلى مادة خلاف داخلي.

ما تعرض له قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 تجاوز في حجمه وآثاره كل ما عرفته الحروب التقليدية فوفقاً لبيانات الجهات الصحية في غزة وحسب بيانات مرصد شرين أدى العدوان إلى سقوط أكثر من 85049 شهيد وأكثر من 173,582  جريحاً بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء كما دمرت أو تضررت غالبية الوحدات السكنية والمنشآت المدنية والمستشفيات والمدارس والجامعات وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي. وأكدت وكالات الأمم المتحدة أن أكثر من 90% من سكان القطاع تعرضوا للنزوح القسري مرة واحدة على الأقل وأن القطاع يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة.

ان هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات بل شهادة على محاولة ممنهجة لتدمير شروط الحياة الإنسانية في غزة وهو ما دفع عددا متزايدا من الخبراء القانونيين ومنظمات حقوق الإنسان إلى الحديث عن وجود مؤشرات جدية على ارتكاب جريمة الإبادة.

في ظل هذا المشهد يصبح من غير المفهوم أن يتحول النقاش الفلسطيني من مساءلة الاحتلال إلى مساءلة الكتاب والمثقفين ومن البحث في كيفية ملاحقة مرتكبي الجريمة إلى الانشغال بمحاكمات الرأي والتوصيفات السياسية فالخلاف الفكري حق مشروع بل هو أحد مظاهر حيوية المجتمع لكن تحويله إلى معركة تستنزف الوعي الوطني في لحظة تاريخية كهذه يخدم هدف إزاحة بوصلة الاتهام عن الجاني الحقيقي.

إن الاحتلال لا يخشى اختلاف الفلسطينيين في الرأي بقدر ما يستفيد من تحول هذا الاختلاف إلى صراع يستهلك طاقتهم ويضعف قدرتهم على بناء رواية وطنية موحدة فحين ينشغل الفلسطيني بالدفاع عن حقه في استخدام مفردة معينة أو في انتقاد قراءة معينة بينما تتراجع المطالبة بمحاسبة الاحتلال فإن روايته تحقق أحد أهم أهدافها وهو تشتيت الانتباه عن أصل الجريمة.

ولا يقف الخطر عند هذا الحد بل يمتد إلى تكريس تصور سياسي يسعى الاحتلال إلى فرضه منذ سنوات وهو تفكيك الجغرافيا الفلسطينية إلى جزر منفصلة لكل منها همومها وقضاياها الخاصة وكأن غزة شأن غزي صرف والقدس شأن مقدسي والخليل شأن خليلي وجنين شأن جنيني هذه ليست مجرد مقاربة إدارية بل جزء من مشروع استعماري يقوم على تفتيت الهوية الوطنية وإضعاف فكرة الشعب الواحد والمصير المشترك.

لقد أثبت التاريخ الفلسطيني أن قوة الفلسطينيين لم تكن يوما في تطابق آرائهم وإنما في وحدتهم حول القضايا الكبرى. فعندما واجه الشعب الفلسطيني مشاريع التصفية لم يكن يسأل من أي مدينة جاء الصوت ولا إلى أي تيار ينتمي صاحبه بل كان ينظر إلى جوهر الموقف وإلى انحيازه للحق الوطني.

ولهذا فإن الدفاع عن حق أي فلسطيني في الحديث عن أي بقعة من الوطن ليس دفاعا عن حرية التعبير فحسب بل هو دفاع عن وحدة الرواية الوطنية فمن غير المقبول أن تتحول الحدود التي فرضها الاحتلال إلى حدود للضمير الفلسطيني أو أن يصبح التضامن مع مدينة ما امتيازاً جغرافيا لا حقا وطنيا.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الفلسطينيين بل بين الحقيقة ومحاولات طمسها، لذلك فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي توحيد الجهود من أجل ملاحقة الاحتلال على جرائمه ودعم لجان التحقيق الدولية وحماية الرواية الفلسطينية من محاولات التشويه والتفكيك.

فالعدالة تبدأ عندما نتفق على أن هناك جريمة وقعت وأن مرتكبها يجب ألا يفلت من العقاب وما دامت الإبادة الجماعية في غزة جرحا مفتوحا في ضمير الإنسانية فإن كل خلاف يبعد الفلسطينيين عن هذه الحقيقة هو هدية مجانية للاحتلال