التمويل المشروط.. إدانة لنضال الشعب الفلسطيني

03/05/2026

وطن للأنباء: منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، اجتاح التمويل الأجنبي السلطة الفلسطينية والمؤسسات الأهلية الفلسطينية، ما انعكس على أداء العمل الأهلي وبرامج وخدمات المؤسسات الأهلية، مما ساهم في انتقال آليات العمل في تلك المؤسسات من أولويات المجتمع المحلي إلى أولويات وأجندات ومشاريع الجهة الممولة.

في السنوات الماضية، برز مفهوم التمويل المشروط، أي التمويل أن الجهة المموّلة تضع شروطاً أو التزامات على المؤسسة المستفيدة، مثل التزام بعدم التعامل مع جهات تُصنّف "إرهابية"، مراجعة المعايير المالية، شروط مرتبطة بالسياسة الأمنية، ما أدى إلى المساس بجوهر السيادة الوطنية وضعف حرية وأداء العمل الأهلي.

تلك الشروط حوّلت العمل الأهلي من مصدر لخدمة المجتمع إلى شريك رقابة للممول، وأضفى وسم "الإرهاب" على نضال الشعب الفلسطيني ومؤسساته، واستبدل المشاريع التي تستجيب مباشرة لاحتياجات المجتمع المحلي، إلى مشاريع تستجيب لشروط وأولويات الجهة المانحة.

التمويل الخارجي امتدت آثاره السلبية إلى الاقتصاد الزراعي والهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، وساهم في خلق طبقات اجتماعية، وكان أحد العوامل الرئيسي في هجرة الأرض خاصة في المناطق المصنفة "ج". كما أنه أدى إلى فقدان الكثير من الكفاءات وظائفهم بسبب سحب أو وقف بعض المشاريع المشروطة الممولة من الخارج.

عندما يكون التمويل أداة مساعدَة حقيقية، فالمسار يتّجه نحو التنمية والتمكين. ولكن إذا ارتبط هذا التمويل بشروط وأجندات بعيدة عن الحاجة المجتمعية فحينها يصبح عبئاً على السيادة الوطنية والمجتمع. والسؤال، كيف يمكن تجاوز هذا التمويل والإبقاء على مصالح وأولويات المجتمع الفلسطيني؟

وقال عصمت قزمار، مسؤول العلاقات الخارجية في معهد ماس وباحث مختص في الاقتصاد الفلسطيني، إن التمويل المشروط هو ممارسة لها مخاطر كبيرة، سواء في السياق الفلسطيني او في سياقات عالمية اخرى، وهو التمويل الذي يكون مستند على شروط سياسية تتجاوزالاعتبارات الاجرائية التقنية والبيروقراطية. في السياق الفلسطيني هذا له معنى واحد وهو أن المؤسسات الممولة تطلب من المؤسسات الفلسطينية التوقيع على البنود والمواثيق التي تتضمن إدانة "الإرهاب"، وتتجاوز ذلك الى إجراءات الفحص، بالتالي يقوم الممول بفحص أمني على الأشخاص ذوي المسؤولية في المؤسسة والمستفيدين من برماجها، وهذا له بعد سياسي عميق، أي أن المؤسسات الفلسطينية تتعاطى ووتعامل مع ما يسمى بـ"الإرهاب" وأن ممارسات الشعب الفلسطيني السياسية مموسومة بالارهاب.

وأضاف: هذا مرفوض لأنه يوجد حكم مسبق بأن الشعب الفلسطيني يتعاطى مع ما يسمى "الإرهاب"، وبالتالي فيه نوع من الاقصاء السياسي، وتجريم لنضال الشعب الفلسطيني.

ورأى أن القضية لا تتعلق بالتمويل المشروط فحسب، بل بثقافة التمويل التي دخلت في التسعينيات، حيث قبل ذلك كانت المؤسسات لها أذرع خدمية تعمل بمنطق العمل التطوعي والموارد المحلية والممارسات الجماعية، لكن بعد مجيء السلطة وحدوث انفجار في التمويل الخارجي، وهو يمكن اعباره في إطار التمويل المشروط لانه جاء في ضمن مشروع سياسي، كان له تأثيرات اجتماعية وسياسية كبيرة، لانه دفع المؤسسات من الاعتماد على الموارد والأولويات المحلية إلى التمويل الخارجي، وأصبح الممول هو من يحدد الأولويات والأجندات.

وأضاف: هذا التمويل استقطب كل الكفاءات العاملة في القطاع الحكومي والمؤسسات الوطنية بفعل فرق الأجور الكبير، وتركزت المشاريع في المناطق الحضرية، ما أدى لتعزيز نزعة الهجرة من القرية الى المدينة.

وأوضح أنه صاحب التغيرات الاجتماعية تغيرات في اللغة والمفاهمي، حيث استدخل علينا مصطلحات جديدة، وهي مؤشرات الأداء والمستفيدين وكأنها لحوكمة العمل الاهلي وإضفاء نوع من الشفافية والمساءلة، لكنها في المقابل فرغته من مضمونته. التمويل الذكي هو من يوسع المجتمع وليس يضيق المستفيدين ويحصرهم.

ورأى أن المطلوب قطع التواصل مع المؤسسات التي تنتمي للمعسكري الاسعماري الكولونيالي، وتبني شراكات مع دول الجنوب العالمي الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني والتي لا تضع اشتراطات سياسية على الشعب الفلسطيني، كما أن المؤسسات الفلسطينية مطلوب منها ان تراجع برامج عملها ومشاريعها وتعيد بنائها والتفكير فيها وتبنيها بأقل موارد والاعتماد على المجتمع المحلي.