
وطن للأنباء: في كشف يعيد فتح ملف الفساد المتعلق بالسلع الأساسية في الأسواق الفلسطينية، كشفت الدكتورة فيحاء البحش، رئيسة جمعية حماية المستهلك في شمال الضفة الغربية، عن تفاصيل خطيرة تتعلق بتهريب بضائع مستوردة الى فلسطين ومعفاة من الضرائب والجمارك الفلسطينية إلى الداخل المحتل، في وقت يعاني فيه المواطن الفلسطيني من ارتفاع جنوني في الأسعار وضعف الرقابة الحكومية.
جاءت تصريحات البحش خلال استضافتها في برنامج "شد حيلك يا وطن"، الذي يعده ويقدمه الإعلامي نزار حبش لشبكة وطن الإعلامية، حيث كشفت آليات التلاعب بأسعار اللحوم والخضروات، متهمة جهات رسمية بالتقاعس عن أداء دورها الرقابي، ومطالبة هيئة مكافحة الفساد بالتدخل العاجل.
" جزء من الكوتا المعفاة من الضرائب تُهرب إلى إسرائيل"
كشفت الدكتورة فيحاء البحش عن أخطر ملف يتعلق باللحوم المجمدة، قائلة: "هناك نسبة معينة من البضائع تدخل عبر الكوتا الفلسطينية معفية من أي ضرائب أو رسوم جمركية، وهذه البضائع المفروض أن تذهب للمواطن الفلسطيني بأسعار منخفضة، ولكن للأسف، جزء كبير منها يُباع في الداخل المحتل (إسرائيل)".
وأضافت: "نحن نعرف أن هناك تجاراً يقومون بعملية توريد عكسية، حيث يتم إدخال لحوم على سبيل المثال معفاة على أسمائنا في الضفة الغربية، ثم تُهرَّب إلى السوق الإسرائيلي لتحقيق أرباح أكبر، مما يؤدي إلى نقص الكميات المتوفرة في أسواقنا وارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر".
"وزارة الزراعة لا تقوم بدورها الرقابي"
حمّلت البحش المسؤولية المباشرة لوزارة الزراعة الفلسطينية، مشيرة إلى تقاعسها الواضح في ضبط السوق. وقالت: "للأسف الشديد، وزارة الزراعة في الوقت الحالي لا تقوم بدورها الرقابي بشكل صحيح. لا توجد بيانات واضحة عن الكميات المتوفرة في السوق، ولا عن الاحتياجات الفعلية للمواطنين فيما يتعلق بالسلع الأساسية".
وأضافت: "طلبنا في جلساتنا الرسمية مع وزارة الاقتصاد والزراعة تحديد البيانات والكميات المتوفرة، ولكن لا توجد لديهم بيانات صحيحة أو محدثة. المفروض أن وزارة الزراعة تعرف من هم التجار المستوردون، لأن الأسماء معروفة لديهم، ولكن لا متابعة ولا رقابة".
"تجار الحرب يستغلون حاجة الناس"
وصفت البحش ما يحدث بـ"استغلال حاجة الناس"، مؤكدة أن بعض التجار يحوّلون الأزمات إلى فرص لتحقيق أرباح طائلة. وقالت: "في كل حرب أو ظروف سيئة، نجد ما يسمى بتجار الحرب الذين يستغلون احتياجات الناس لمصالحهم الخاصة. هؤلاء يضمنون أكبر هامش ربحي في ظل الحاجة الملحة للسلع الأساسية".
وأضافت: "نحن نعرف أن هناك تجاراً كباراً في الضفة الغربية يبيعون بضائعهم بنفس أسعار الوكيل الإسرائيلي، مع العلم أن ظروفنا مختلفة تماماً. هذا نصب واحتيال وتلاعب واضح".
"المجمَد يُباع بسعر البلدي.. ولا فروقات"
وفي تفصيل صادم آخر، كشفت البحش أن أسعار اللحوم المجمدة لا تختلف كثيرا عن أسعار اللحوم البلدية الطازجة، رغم أن المجمَّد مفروض أن يكون أقل سعراً بشكل كبير. وقالت: "المفروض أن سعر اللحوم المجمدة ينخفض ليتناسب مع غير القادرين على شراء اللحوم البلدية، ولكن للأسف، لا توجد فروقات كبيرة بين سعر المجمَّد والمستورد والمحلي. الجميع يُباع بأسعار باهظة في كل المحلات".
وأضافت: "في رمضان، على سبيل المثال، كنا نرى الفواكه التي تدخل من الجانب الإسرائيلي تُباع بأسعار خيالية، ويتحكم بها التجار المستوردون بحكم سيطرتهم على السوق".
"ارتفاع غير مبرر في أسعار اللحوم"
وفي سياق متصل، تحدثت البحش عن الارتفاع الجنوني في أسعار اللحوم خلال الأيام الماضية، مؤكدة أنه لا يوجد أي مبرر حقيقي لهذا الارتفاع. وقالت: "قبل أيام، ارتفعت أسعار اللحوم فجأة دون إدخال أي بضائع جديدة. حجتهم كانت ارتفاع تكاليف الشحن، ولكننا نعلم تماماً أنه لم يتم إدخال أي شحنات جديدة خلال اليومين المذكورين. هذا غبن واحتيال على المواطن الفلسطيني".
وذكرت أن سعر كيلو العجل وصل إلى حوالي 74 شيكلاً، وهو رقم قياسي يثقل كاهل العائلات الفلسطينية التي تعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية.
"البندورة بـ13 شيكلاً.. رمز لأزمة أكبر"
وأشارت البحش إلى أن أزمة الأسعار لم تقتصر على اللحوم، بل طالت أبسط السلع مثل الخضروات، حيث قفز سعر كيلو البندورة إلى 13 شيكلاً. وقالت: "هذا الارتفاع لا يُقرأ كرقم عابر، بل كمؤشر على خلل عميق في السوق، يتقاطع فيه ضعف الرقابة وتراجع الإنتاج المحلي وعزوف بعض المزارعين بسبب الخسائر الكبيرة، بالإضافة إلى تهريب الخضروات إلى إسرائيل بحثاً عن أسعار أعلى".
"دعوة صريحة لهيئة مكافحة الفساد"
وجهت الدكتورة فيحاء البحش دعوة واضحة وصريحة لهيئة مكافحة الفساد الفلسطينية، قائلة: "هناك قضايا خطيرة تستوجب التحرك الفوري من كل الجهات لضبط الوضع الاقتصادي المتردي".
وأضافت: "نحن ندرك أن هناك غلاءً عالمياً، ولكن هذا الغلاء ينعكس علينا بشكل أضعاف لأنه ليس لدينا إنتاج كافٍ. نحن مستهلكون أكثر من كوننا منتجين، وهذا يضعنا في موقع ضعف. ولكن مع وجود هذا الارتفاع، لا توجد متابعة حقيقية لما يسمى بالأمن الغذائي".
"رسالة إلى وزارة الزراعة والاقتصاد"
وفي ختام حديثها، وجهت البحش رسالة حازمة إلى وزارتي الزراعة والاقتصاد، قالت فيها: "نتمنى من وزارة الاقتصاد كل الشكر على تعاونهم، ولكن وزارة الزراعة مفروض أن يكون لها دور أكبر مما هي عليه حالياً، سواء في ضبط السوق أو الرقابة على الأسعار أو معرفة الكميات المتوفرة وتحديد الأسعار بشكل دوري".
وأضافت: "طلبنا أن تكون هناك متابعة دورية للأسعار، وليس مرة في السنة. وطلبنا أن تتحقق وزارة الزراعة من فواتير المستوردين لمعرفة التكاليف التشغيلية الحقيقية، ثم يتم تحديد الأسعار بشكل يضمن ربحاً معقولاً للتاجر وحقاً للمستهلك في الحصول على السلعة بسعر مناسب".
واختتمت: "نحن ندرك الأزمة المالية التي تمر بها الحكومة بسبب الانتهاكات الإسرائيلية، ولكن حقنا الطبيعي أن يكون هناك أمن غذائي يوفر السلع الأساسية على الأقل. لا نطلب رفاهيات، نحن منذ زمن طويل تخلينا عن هذه الرفاهيات، ولكننا نطلب سلعاً بأسعار تتناسب مع الوضع الاقتصادي الصعب الذي نعيشه".