
- تحذر من تهميش القضية الفلسطينية في ظل التصعيد الإقليمي وتدعو إلى خطاب فلسطيني وحدوي وإعادة تفعيل القانون الدولي
وطن للأنباء: قالت أستاذة الدبلوماسية وحل النزاعات في الجامعة العربية الأمريكية الدكتورة دلال عريقات إن ما تشهده منطقة الشرق الأوسط حالياً من تصعيد عسكري وحروب متداخلة يعكس خروجاً كاملاً عن قواعد النظام الدولي والقانون الدولي، معتبرة أن المنطقة دخلت مرحلة "قانون الغاب" حيث أصبحت القوة العسكرية والصواريخ والعنف أدوات رئيسية لإدارة الصراعات.
وأضافت عريقات، لبرنامج "شد حيلك يا وطن" الذي يعده ويقدمه الإعلامي نزار حبش لشبكة وطن الإعلامية، أن المشهد الإقليمي الحالي يعكس حالة من الحروب المفتوحة التي بدأت منذ أكثر من عامين ونصف مع الحرب على قطاع غزة، وما زالت تتوسع لتشمل ساحات أخرى في المنطقة، وصولاً إلى التصعيد الحالي مع إيران.
وأوضحت أن المبررات التي تُطرح لتبرير هذه الحروب، مثل مكافحة ما يُسمى "الإرهاب" أو منع انتشار السلاح النووي، ليست سوى جزء من خطاب سياسي، في حين أن الأهداف الحقيقية أعمق بكثير وتتعلق بإعادة تشكيل المنطقة سياسياً وأمنياً بما يخدم مصالح إسرائيل والولايات المتحدة.
وأشارت إلى أن تصريحات ومواقف صدرت مؤخراً عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين كشفت بوضوح عن مشروع أوسع يتجاوز الحدود الفلسطينية، يتمثل في تكريس مشروع "إسرائيل الكبرى" وتوسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
الحرب ستنتهي على طاولة المفاوضات
وفي ما يتعلق بمآلات الحرب الحالية، أكدت عريقات أن التجارب التاريخية تشير إلى أن جميع الحروب تنتهي في النهاية على طاولة المفاوضات، إلا أن السؤال الأساسي يتعلق بمدى طول أمد الحرب وحجم الخسائر التي ستترتب عليها.
وأضافت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سبق أن أعلن وقف الحرب في غزة في وقت سابق رغم استمرار العمليات العسكرية على الأرض، معتبرة أنه قد يلجأ إلى إعلان نهاية الحرب أو تحقيق "انتصار سياسي" في أي لحظة، بغض النظر عن الوقائع الفعلية على الأرض.
ولفتت إلى أن العوامل الاقتصادية، وعلى رأسها أسعار النفط وإمكانية تعطّل طرق التجارة العالمية وإغلاق مضيق هرمز، قد تلعب دوراً مهماً في دفع الأطراف نحو العودة إلى طاولة المفاوضات.
الصراع يتجاوز المنطقة
وأكدت عريقات أن الصراع الدائر لا يقتصر على البعد الإقليمي، بل يرتبط أيضاً بمنافسة عالمية على النفوذ الاقتصادي وطرق التجارة، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين.
وأوضحت أن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، التي تسعى إلى إنشاء شبكة طرق تجارية عالمية، تشكل أحد عناصر التنافس الدولي، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها يعملون على طرح مشاريع بديلة، مثل الممر التجاري الذي يربط الهند بالخليج العربي وصولاً إلى إسرائيل وأوروبا عبر البحر المتوسط.
وقالت إن هذه المشاريع الاقتصادية الكبرى تفسر جانباً مهماً من الصراعات الجارية في المنطقة، حيث تسعى القوى الدولية إلى تأمين طرق التجارة والطاقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
روسيا والصين؟
وفي السياق ذاته، اعتبرت عريقات أن روسيا والصين قد تلعبان دوراً أكبر في المشهد السياسي المرتبط بالحرب، خصوصاً في ظل ارتباط مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية بالمنطقة، لكنها استبعدت في الوقت ذاته حدوث تدخل عسكري مباشر من جانب هاتين الدولتين.
وأشارت إلى أن طبيعة الحروب المعاصرة تغيرت بشكل كبير، حيث أصبحت أدوات النفوذ تشمل الاقتصاد والمعلومات والتكنولوجيا إلى جانب القوة العسكرية التقليدية.
اضطراب دائم يخدم إسرائيل
ورأت عريقات أن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة تقوم على إدارة حالة من التوتر وعدم الاستقرار المستدام، معتبرة أن ذلك يوفر لإسرائيل مبررات دائمة لتعزيز قوتها العسكرية وتكريس خطاب التهديد الوجودي.
وأضافت أن هذه البيئة المضطربة تسمح لإسرائيل بمواصلة سياساتها التوسعية وتبرير عملياتها العسكرية في المنطقة، في وقت يتم فيه تحويل الأنظار عن القضية الفلسطينية.
القضية الفلسطينية تتراجع عن الأجندة الدولية
وحذرت عريقات من أن الحرب الإقليمية الحالية ساهمت في تراجع الاهتمام الدولي بما يجري في الأراضي الفلسطينية، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية.
وأشارت إلى أن دولة الاحتلال استغلت هذا الانشغال الدولي لتسريع سياسات الضم والاستيطان في الضفة الغربية، إلى جانب استمرار الاعتقالات والاقتحامات وعمليات القتل الميداني.
كما لفتت إلى أن أكثر من 9500 أسير فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال، في ظل تصاعد الإجراءات القمعية والاعتداءات من قبل المستوطنين، إضافة إلى القيود المفروضة على الفلسطينيين في القدس والمسجد الأقصى.
وأكدت أن ما يحدث في القدس خلال الفترة الأخيرة، بما في ذلك إغلاق المسجد الأقصى ومنع الفلسطينيين من الوصول إليه، يمثل تطوراً خطيراً لم تشهده المدينة منذ عقود.
دعوة لخطاب فلسطيني موحد
وفي ما يتعلق بالخيارات الفلسطينية، شددت عريقات على ضرورة بلورة خطاب سياسي فلسطيني وحدوي يرتقي إلى مستوى التحديات الراهنة، ويعمل على إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي.
ودعت إلى تفعيل الأدوات القانونية الدولية، مشيرة إلى الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في تموز 2024 والذي أكد عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي وطالب بإنهائه وتفكيك الاستيطان.
كما شددت على أهمية البناء على الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، خاصة من قبل عدد من الدول الأوروبية مثل إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا، إضافة إلى جنوب أفريقيا ودول أخرى.
وأكدت أن على القيادة الفلسطينية استثمار هذه الاعترافات سياسياً وقانونياً، وعدم الاكتفاء بالمواقف الرمزية، بل العمل مع هذه الدول من أجل اتخاذ خطوات عملية تضغط على إسرائيل لإنهاء الاحتلال.
ضرورة إبقاء فلسطين في دائرة الضوء
وختمت عريقات بالتأكيد على أن الفلسطينيين، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي، مطالبون ببذل جهود أكبر لإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في المشهد الدولي، عبر تسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية اليومية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
وشددت على أن استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الانتهاكات يسمح لإسرائيل بفرض وقائع جديدة على الأرض، الأمر الذي قد يهدد مستقبل القضية الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.