
"أعتقد أن روسيا والصين تدخلان بشكل غير مباشر... الفهم الحقيقي لهذه الحرب أنها تستهدف الصين بشكل خاص وروسيا بعد ذلك، لمنع تقدم الصين لقيادة العالم."
وطن للأنباء: في زحمة تغطية الأحداث المتسارعة في المنطقة، قدم الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري قراءة لأبعاد الحرب الدائرة، معتبراً إياها ليست مجرد مواجهة مع برنامج إيران النووي، بل حلقة مركزية في صراع عالمي أكبر، في ظل تراجع النفوذ الأمريكي وتقدم الصين.
المشهد الأكبر: لماذا الحرب الآن؟
يرى المصري أن فهم الحرب الحالية يبدأ من الاعتراف بتحول جذري في موازين القوى العالمية. فخلال العقدين الأخيرين، تراجعت السيطرة الأمريكية الأحادية بشكل لافت، بينما تقدمت قوى أخرى، وعلى رأسها الصين، التي باتت تتفوق في مجالات حيوية كالصناعة والتجارة، وتتقدم بسرعة في التكنولوجيا والتسليح. هذا المشهد، كما يصفه المصري، جعل لحظة الخروج الأمريكي من مربع القيادة الأحادية للعالم تبدو أقرب من أي وقت مضى.
في هذا السياق، يضع المصري الحرب الحالية: "تحاول أمريكا في هذه الحرب إيقاف تقدم الصين، وطبعاً بالتحالف مع روسيا. الصين متحالفة مع روسيا ومع إيران، بالتالي ضرب كل معيقات استمرار الهيمنة الأمريكية. هكذا يجب أن نضع الأمور."
ويؤكد المصري خلال برنامج شد حيلك يا وطن الذي يعده ويقدمه الإعلامي نزار حبش عبر شبكة وطن الإعلامية، أن البرنامج النووي الإيراني كان مجرد ذريعة، خاصة بعد التقدم الكبير الذي تحقق في المفاوضات الأخيرة، لتكشف الأهداف الحقيقية وهي كسر إيران وإخراجها من محورها مع الصين وروسيا.
إيران: عقدة الحزام والطريق
يكشف المصري عن عمق العلاقة بين الصين وإيران، والتي تجعل من إيران هدفاً استراتيجياً لواشنطن. فالصين تستورد 13% من نفطها من إيران، ويمر 40% من نفطها عبر مضيق هرمز، ناهيك عن اتفاقية التعاون الاستراتيجي بـ 400 مليار دولار. ويشرح المصري أن إيران تشكل مفصلاً رئيسياً في مشروع "الحزام والطريق" الصيني (بموازنة 6 تريليون دولار)، و"إذا هُزم سيؤخر تقدم الصين بشكل ملحوظ."
المستنقع الإيراني..
رغم الحديث الأمريكي عن تغيير النظام، يرى المصري أن الإدارة الأمريكية تعاني من ارتباك واضح، حيث تغير أهدافها المعلنة أكثر من 13 مرة منذ بداية الأسبوع الأول للحرب. هذا الارتباك يعود لعوامل داخلية صعبة: معارضة الكونغرس الرسمية، رفض شعبي واسع (يصل إلى 70% في بعض الاستطلاعات)، وتحفظات داخل الإدارة نفسها. مع وصول سعر النفط إلى 92 دولاراً والتهديد بارتفاعه إلى 150، تشتعل الأضواء الحمراء في واشنطن.
من هنا، يعتقد المصري أن إيران ستسعى لتحويل الحرب إلى حرب استنزاف طويلة، مستفيدة من فشل الضربة الخاطفة. ويضيف: "هذا يعني نعم، ممكن أن تغرق الولايات المتحدة في مستنقع إيران، وربما هذا يصبح في مصلحة الصين وروسيا... وهذا يفسر الأنباء التي تتحدث عن مساعدة عسكرية روسية وصينية لإيران بإحداثيات ومعدات متقدمة."
حدود الصراع.. واللقاء الحاسم
لا ينفي المصري التعقيد الهائل في العلاقة الأمريكية-الصينية، فهناك استثمارات متبادلة وسندات خزينة ومصانع مشتركة تجعل انهيار أي طرف كارثة على الآخر. ويؤكد أن هناك حدوداً للصراع، وأي مواجهة عسكرية مباشرة قد تعني حرباً عالمية. ويضع علامة استفهام كبرى على اللقاء المرتقب بين الرئيسين الصيني والأمريكي في نهاية الشهر، معتبراً أن نتائجه ستحدد مسار الحرب بشكل كبير.
ويحذر من تحليل صادر عن 7 مراكز أبحاث عالمية، يرى أن احتمالية تحول الحرب إلى حرب عالمية قفزت من 26% إلى 40%، وهي نسبة لم تعد هامشية.
الموقف العربي وإسرائيل: من المستفيد من توريط العرب؟
يعلق المصري على تصريح السعودية بالرد بالمثل، بأنه يأتي في سياق إدراك عربي متزايد أن القواعد الأمريكية لم تعد مصدر أمن، بل مصدر خطر. ويشير إلى اعتذار الرئيس الإيراني عن استهداف الدول العربية كتطور هام، داعياً إلى أمن إقليمي مشترك: "لن يوفر أمن لك إلا نفسك."
• المخطط الإسرائيلي: يرسم المصري صورة قاتمة للدور الإسرائيلي، معتبراً أن إسرائيل، بدعم شعبي هائل (91% يؤيدون الحرب)، تريد تفتيت المنطقة و"تغيير وجه الشرق الأوسط". ويتحدث عن تقارير تتحدث عن خلايا للموساد تعمل على زعزعة استقرار دول خليجية، بهدف توريطها في مواجهة مع إيران. هدف إسرائيل النهائي، برأيه، هو "هيمنة على المنطقة واستعبادها"، وإضعاف أي قوة إقليمية كبرى (مصر، السعودية، تركيا) لتبقى هي المسيطرة الوحيدة.
سيناريوهات الحرب وتوقيتها: أسابيع أم أشهر؟
يرفض المصري الادعاءات الجازمة بمدة الحرب، ويقدم قراءة قائمة على السيناريوهات:
• سيناريو الأسابيع: يعتمد على قدرة الأطراف على تجنب حرب استنزاف طويلة.
• سيناريو الأشهر: يصبح مطروحاً بقوة إذا استمرت إيران في الصمود وإطلاق الصواريخ، وخاصة إذا تحولت إلى حرب إقليمية.
• سيناريو حرب طويلة.. يطرحه بعض المحللين في حال تدخل قوى إقليمية كبرى بشكل فعلي.
المؤشرات متناقضة: تعزيزات أمريكية وطلبات لزيادة إنتاج الصواريخ تشير للاستمرار، بينما الضغوط الداخلية والخوف من الاستنزاف تشير لإمكانية التوقف. ويؤكد أن الحرب لا تزال في ذروتها، ويجب عدم استعجال الأمور.
فلسطين: الضحية الأكبر في صمت عالمي
في خضم الحديث عن الصراع الدولي والإقليمي، يوجه المصري الأنظار إلى ما أسماه "الضحية الأساسية والخاسر الأكبر": الشعب الفلسطيني. ففي الوقت الذي تنشغل فيه العالم بالحرب، تتواصل يومياً:
• اقتحامات الضفة: اعتداءات المستوطنين والاقتحامات المتكررة، وسقوط شهداء بشكل شبه يومي.
• حصار غزة: استمرار الحصار والتجويع والمرض، وإغلاق معبر رفح.
• المقدسات: إغلاق المسجد الأقصى في شهر رمضان.
ويوجه المصري نقداً لاذعاً للسياسة الفلسطينية الرسمية: "للأسف لا يوجد عامل ذاتي فلسطيني... نحن في حالة ضعف وتوهان. عندما أخذنا موقفاً، أخذنا موقفاً ليس ضد المعتدي، بل أخذنا ضد إيران!" ويحذر من أن المشروع الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية يسير على قدم وساق، مستغلاً الانشغال الدولي والانقسام الفلسطيني.
خلاصة وتحذير:
يختتم المصري دعوته الملحة بضرورة حوار وطني فلسطيني شامل، يكون عنوانه الوحيد: "كيف نواجه المخاطر الوجودية التي تهدد القضية والشعب والحقوق والمؤسسات؟" ويحذر من أن استمرار الوضع الراهن يعني دفع ثمن مضاعف، مع سعي إسرائيل لاستغلال الظروف لفرض "فلسطين جديدة" حتى لو لم تتمكن من تحقيق "الشرق الأوسط الجديد" بالكامل.