
وطن للأنباء: في خطوة وصفت بأنها الأخطر منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، أعلنت الحكومة الإسرائيلية بدء إجراءات تسجيل مساحات واسعة من الأراضي في المناطق المصنفة (ج) كـ"أملاك دولة"، في قرار تشير تقديرات حقوقية إلى أنه قد يشمل فعليًا نحو 50% من مساحة الضفة الغربية.
القرار يمنح سلطات الاحتلال صلاحيات موسعة لإعادة تسوية الأراضي، وإلغاء أو تعديل تشريعات سابقة، ما أثار موجة انتقادات فلسطينية وإسرائيلية ودولية، واعتُبر تمهيدًا لفرض سيادة إسرائيلية فعلية على الأرض، وتحولًا استراتيجيًا في إدارة الصراع.
وفي قراءة سياسية وقانونية لأبعاد القرار، قالت الكاتبة والباحثة السياسية الدكتورة تمارا حداد، إن ما يجري "ليس إجراءً إداريًا أو تقنيًا كما يُسوّق له، بل يمثل جزءًا من مشروع استراتيجي لضم الضفة الغربية وفرض السيطرة المدنية والعسكرية الإسرائيلية عليها".
من "أرض محتلة" إلى "أرض دولة": تحوّل في المرجعية القانونية
وأوضحت حداد أن خطورة القرار تكمن في نقل توصيف الأراضي من كونها "أراضي دولة محتلة" وفق القانون الدولي، إلى "أراضي دولة إسرائيل" وفق المنظور الإسرائيلي، ما يعزز – قانونيًا وإداريًا – عملية الضم التدريجي.
وأضافت أن تحويل صلاحيات الإدارة من الطابع العسكري المؤقت إلى وزارات مدنية إسرائيلية يعني عمليًا فتح المجال أمام المستوطنين للشراء والاستثمار في تلك الأراضي مستقبلًا، في حال عدم تمكن الفلسطينيين من إثبات ملكيتهم بشكل قاطع.
وبيّنت أن آلية تسوية الأراضي في مناطق (ج) معقدة، نظرًا لتداخل الملكيات ووجود ورثة داخل وخارج الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى نزاعات قانونية قد تستمر لسنوات طويلة. وفي حال تعذر إثبات الملكية، تصنّف إسرائيل الأرض باعتبارها "أملاك غائبين" أو "أراضي دولة"، ما يفتح الباب لمصادرتها.
وأكدت أن "المستفيد الأول من تعقيدات إثبات الملكية هو الجانب الإسرائيلي"، خاصة في حالات الفلسطينيين الذين غادروا البلاد بعد عام 1967 ولا يستطيعون العودة، حيث تُعامل إسرائيل نفسها كطرف ثالث في النزاع على الملكية.
هل نحن أمام بداية "ترانسفير" في مناطق (ج)؟
ورأت حداد أن القرار يشكل خطوة إضافية نحو السيطرة النهائية على مناطق (ج)، التي تخضع أمنيًا وإداريًا للاحتلال بموجب اتفاق أوسلو، لكنه يتجاوز ذلك باتجاه تكريس ضم شامل.
وقالت إن الحكومة الإسرائيلية الحالية، ذات التوجه اليميني المتشدد، حسمت موقفها أيديولوجيًا وسياسيًا، وانتقلت من مستوى الخطاب إلى التطبيق العملي عبر إجراءات ميدانية وقانونية تهدف إلى فرض سيطرة كاملة على الضفة الغربية.
وأشارت إلى أن التوقيت مرتبط بحالة الانقسام والضعف الدولي، لافتة إلى انقسام الاتحاد الأوروبي، وغياب موقف دولي رادع، إضافة إلى ما وصفته بـ"الرهان غير المجدي" على الموقف الأمريكي.
الموقف الأمريكي: تصريحات مغايرة للوقائع؟
وحول التباين بين التصريحات الأمريكية الرافضة لضم الضفة الغربية، والواقع الميداني، اعتبرت حداد أن هناك اختلافًا في الخطاب داخل الإدارة الأمريكية، لكن لا يوجد خلاف جوهري في الاستراتيجية.
وأوضحت أن الرئيس الأمريكي قد يعلن رفضه للضم لأسباب سياسية أو إقليمية، إلا أن ما يجري على الأرض يشير إلى "ضم تدريجي صامت وزاحف"، مضيفة أن إسرائيل تمثل – وفق رؤيتها – أداة تنفيذ للمشروع الأمريكي في المنطقة.
كما تحدثت عن تكامل – ولو غير معلن – بين الرؤيتين الأمريكية والإسرائيلية، مشيرة إلى أن الضفة الغربية تُدار كمشروع إسرائيلي بحت، بينما يُنظر إلى غزة من زاوية مختلفة ذات أبعاد استثمارية وأمنية.
خيارات الفلسطينيين: بين المسار القانوني وضيق الواقع
وفيما يتعلق بخيارات المواجهة الفلسطينية، أقرت حداد بصعوبة المشهد، معتبرة أن الانقسام الداخلي أضعف القدرة على بلورة استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة مشروع الضم.
وقالت إن السلطة الفلسطينية تعتمد المسار السياسي والدبلوماسي، لكنها أقرت بضعف نتائج هذا المسار حتى الآن، في ظل استمرار الاستيطان والتوسع.
وبشأن التوجه إلى المحاكم الدولية، أشارت إلى أن محكمة الجنايات الدولية أصدرت مذكرات اعتقال، لكن أدوات التنفيذ تبقى محدودة، خاصة في ظل العقوبات الأمريكية على بعض مسؤولي المحكمة، وعدم التزام الدول بتنفيذ قراراتها.
وأضافت أن قرارات محكمة العدل الدولية غالبًا ما تصدر بصيغة رأي استشاري غير ملزم، فيما يعطل الفيتو الأمريكي أي قرارات حاسمة في مجلس الأمن، ما يجعل القانون الدولي – وفق تعبيرها – "أمام اختبار حقيقي في ظل منطق القوة".
بين الدعوات لانتفاضة جديدة والواقع الاقتصادي
وحول امكانية اندلاع انتفاضة جديدة في الضفة الغربية، ربطت حداد ذلك بالواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب، مشيرة إلى أن مئات آلاف العمال فقدوا مصادر دخلهم، وأن الموظفين يتقاضون نسبًا من رواتبهم، ما يجعل الأولوية لدى كثيرين تأمين لقمة العيش.
وأكدت أن إسرائيل تعتمد سياسة ممنهجة لتضييق الخناق الاقتصادي، بما يقلص القدرة على الحراك الشعبي، في ظل اقتحامات يومية وتوسيع لعمليات الهدم، محذرة من أن أي تصعيد مسلح قد يدفع نحو سيناريو تدمير واسع للبنية التحتية على غرار ما حدث في قطاع غزة.
معبر رفح: ورقة ضغط مستمرة
وفي الشأن الغزي، رأت حداد أن معبر رفح سيبقى ورقة ابتزاز سياسي بيد إسرائيل، سواء في إدارة حركة الأفراد أو إدخال المساعدات، معتبرة أن سياسة "الحد الأدنى من الاحتياجات" تُستخدم كأداة ضغط على الفلسطينيين والوسطاء على حد سواء.
وأشارت إلى أن أي حديث عن قوات دولية في غزة يصطدم بتباين في المقاربات؛ فبينما تتحدث بعض الدول عن دور إنساني وإغاثي، تسعى إسرائيل – بحسب تقديرها – إلى قوات تعمل ضمن شروطها الأمنية، بما يشمل ملاحقة مسلحين وتدمير أنفاق ونزع سلاح.
إعادة الإعمار بين التمويل والسياسة
وفيما يتعلق بملف إعادة إعمار غزة، اعتبرت حداد أن المبالغ المعلنة لا تكفي لحجم الدمار، مشيرة إلى أن توظيف التمويل قد يكون جزءًا من مشاريع ذات أبعاد سياسية واستثمارية، لا تنسجم بالضرورة مع أولويات الفلسطينيين في تثبيت وجودهم على الأرض.