
وطن للأنباء: بوجعٍ شفيف يشبه الحقيقة حين تُقال متأخرة، استشهد الرفيق خالد الصيفي مساء الاثنين المناضل والمربّي والقيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و مؤسس ومدير مؤسسة "إبداع" في مخيم الدهيشة ببيت لحم، لا كجسدٍ أنهكه المرض، بل كحكايةٍ ثقيلة المعنى، تقول إن الإنسان قد يُهزم جسديًا، لكنه ينتصر حين يحوّل ألمه إلى ذاكرة عامة، مشكلاً برحيله مقولة غسان كنفاني التي قال فيها: " الانسان في نهاية الأمر قضية".
شيّعت بيت لحم شهيدها، فيما كانت الجموع تدرك أن التشييع ليس وداعًا، بل اعترافًا أخيرًا بقيمة من عاش أكثر من حياة؛ معلّمًا، أسيرًا، محررًا، وشاهدًا على زمنٍ جعل الحرية امتحانًا يوميًا للكرامة والصدق.
من مستشفى بيت جالا إلى مخيم الدهيشة، بدا المشهد كرحلة عودة معكوسة؛ جسد يعود إلى المكان الأول، وروح تعبر إلى المعنى، صلاة ودموع وخطوات بطيئة، كأن المخيم كله يمشي خلف أحد أعمدته المنكسرة.
خالد الذي أعاد تعريف التعليم، لم يرَ في الصف جدرانًا، بل احتمالات، نزع العصا من يد الخوف، وزرع الفن مكان العقاب، فصار التعليم مقاومة ناعمة، وصارت بطاقة اللجوء أفقًا للخيال، لا قيدًا للانكسار.
عن عمر سبعةٍ وستين عامًا، وبعد أسبوع واحد من الإفراج عنه من سجون الاحتلال، استشهد الصيفي، بعدما اعتُقل مرتين منذ بدء حرب الإبادة على غزة في السابع من تشرين الأول 2023، وقضى أربعة أشهر في اعتقاله الإداري الأخير داخل “عيادة سجن الرملة”، بحالة صحية بالغة الخطورة نتيجة التعذيب والتنكيل والتجويع والحرمان المتعمّد من العلاج.
في السجن، صار الجسد ساحة المعركة الأخيرة؛ اعتقال إداري بلا قانون ولا محكمة، وزمن معلّق يُدار بالقهر، حتى غدا التعب فضيحة أخلاقية لمنظومة تخشى الجسد حين يكشف حقيقتها، فأُفرج عنه لأن الجسد المنهك يفضح السجّان.
خرج خالد حيًا، لكن السجن لم يخرج منه؛ لاحقه في رئتيه وخطوه المتثاقل، بين الإفراج والاستشهاد، يؤكد الصيفي أن الروح التي لا تساوم لا تُهزم، وأن من يعبر الألم متمسكًا بإنسانيته، يتحوّل من فردٍ إلى معنى، ومن موتٍ إلى حياة تمتد من القدس إلى غزة.
وأكدت شقيقته، خولة الصيفي، لوطن للأنباء، أن علاقتها بشقيقها الشهيد كانت استثنائية، واصفة إياه بـ”روحها وتوأمها الروحي”، مشيرة إلى أنهما نشآ معاً كأصغر أبناء العائلة. وقالت: “كان سندي الحقيقي، كريمًا ومعطاءً، يتحمل كل شيء دون شكوى. اليوم أشعر بالضياع، لكنني فخورة به، وشعرت بالأمان وأنا أراه يُوارى الثرى لأنه أدى ما عليه”.
من جهته، عبّر عماد داهود، ابن شقيقة الشهيد، لوطن للأنباء، عن اعتزازه الكبير بخاله، مؤكداً أنه كان قدوته في الحياة، وقال: “خالد الصيفي كان الرقم واحد بالنسبة لي وللكثيرين، جمع الناس على كلمة واحدة، وكرّس حياته فداءً للناس والوطن والمخيم”.
ووصف صديق الراحل، عيسى قراقع، لوطن للأنباء، خالد الصيفي بأنه “حالة وطنية وإنسانية فريدة”، مشيراً إلى دوره القيادي في مؤسسة “إبداع” التي شكّلت رافعة ثقافية واجتماعية للمخيم، وأسهمت في تخريج مئات الأطفال والشباب في مجالات فنية ورياضية وثقافية متعددة. وأضاف: “كان نشيطاً، صادقاً، متواضعاً، وحاضراً في كل المناسبات الوطنية والاجتماعية”.
بدوره، قال محمد اللحام، رئيس لجنة الحريات في نقابة الصحفيين، لوطن للأنباء، إن رحيل الصيفي لا يُعد خسارة لمخيم الدهيشة أو عائلته فحسب، بل لبيت لحم وفلسطين بأكملها، مؤكداً أن الشهيد كان نموذجاً وطنياً نادراً، اجتمع على تشييعه رفاقه من مختلف الخلفيات الوطنية والدينية. وأضاف: “برحيله غصّة في قلب كل من عرفه، لكن عزاءنا أنه ارتقى شهيداً”.
وكشف شعوان جبارين، المدير العام لمؤسسة "الحق"، لوطن للأنباء، تفاصيل مؤلمة عن الوضع الصحي للشهيد بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال، مؤكداً أنه كان يعاني من تدهور صحي شديد نتيجة الاعتقال والإهمال الطبي، مشيراً إلى أنه عبّر عن خشيته في وقت سابق من عدم نجاته في حال اعتقاله مجدداً، في ظل ظروف السجون القاسية.
من جانبه، قال الكاتب الفلسطيني أسامة العيسة، لوطن للأنباء إن خالد الصيفي كان من أوائل الناشطين في مركز شباب مخيم الدهيشة، قبل أن يؤسس مؤسسة “إبداع” التي نقلت رواية المخيم الفلسطيني إلى العالم عبر الفنون الشعبية والدبكة، مؤكداً أنه “وُلد حرّاً وعاش حرّاً، وترك بصمة واضحة في العمل التطوعي والنضالي”.
وفي السياق ذاته، قدّم جميل ربايعة، أمين سر حركة فتح في قرية أرطاس، لوطن للأنباء، تعازيه الحارة لمخيم الدهيشة برحيل الشهيد خالد الصيفي، مشيداً بالشهيد كنموذج للانتماء والأخلاق الوطنية، وقال: "خسرنا قامة وطنية لن تتكرر، وأعتز بأنني كنت أحد أبناء مؤسسة إبداع الذين ساهم خالد الصيفي في تشكيل وعيهم وشخصياتهم".