معبر رفح بين الأمل والابتزاز السياسي: حياة المرضى رهينة القيود الإسرائيلية

02/02/2026

 

وطن للأنباء: يتحوّل معبر رفح، المنفذ البري الوحيد المتبقي لسكان قطاع غزة، من ممر إنساني إلى ساحة اشتباك سياسي وأمني، تُدار فيها حياة المرضى والجرحى بالأرقام والقيود والتصاريح، في وقت يقف فيه أكثر من 22 ألف مريض وجريح على حافة الموت البطيء، بينما تُفرغ اتفاقات وقف إطلاق النار من مضمونها الإنساني.

وفي ظل سقف عبور يومي لا يتجاوز 150 حالة، مقابل احتياج إنساني يتطلب فتحاً كاملاً بلا تجزئة ولا شروط، لا تبدو الأزمة مجرد قضية معبر، بل معركة حياة أو موت، واختباراً حقيقياً لصدقية المجتمع الدولي ووساطاته، ولمستقبل غزة الذي يُعاد رسمه خلف الكواليس تحت عناوين الوصاية وإدارة التكنوقراط ومجلس السلام.

الأعور: سياسة ممنهجة لا إجراء مؤقت
في حديث خاص لبرنامج “شد حيلك يا وطن” عبر شبكة وطن الإعلامية، قال الكاتب والمحلل السياسي الدكتور علي الأعور إن ما يجري على معبر رفح لا يمكن اعتباره إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل “سياسة ممنهجة لإدارة الأزمة لا حلّها”، مشيراً إلى أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يضع العراقيل والشروط لمنع عودة المعبر إلى وضعه الطبيعي وفق اتفاقية عام 2005، كما يسعى لتعطيل اتفاق وقف إطلاق النار.
وأضاف الأعور أن الأيام الأخيرة شهدت سقوط عشرات الشهداء، معظمهم من الأطفال، في خروقات إسرائيلية متواصلة، ما يعكس استمرار الفلسفة ذاتها القائمة على القتل والتضييق وإفراغ الاتفاقات من مضمونها الإنساني.

عودة الفلسطينيين تفشل مشروع التهجير
ورغم القيود، اعتبر الأعور أن فتح المعبر، ولو بشكل محدود، يمثل بادرة أمل وخطوة في الاتجاه الصحيح، خاصة في ظل تزايد أعداد الفلسطينيين الراغبين بالعودة إلى قطاع غزة. وكشف عن تسجيل أسماء نحو 80 ألف فلسطيني في السفارة الفلسطينية بالقاهرة يرغبون بالعودة إلى وطنهم، في رقم وصفه بالكبير والدال على فشل مشروع التهجير.
وقال: “إسرائيل راهنت طويلاً على تفريغ قطاع غزة، لكنها فشلت. أهل غزة يعودون إلى بيوتهم المدمرة لأن الانتماء لهذه الأرض يفوق كل شيء”.

وأشاد الأعور بالموقف المصري، مؤكداً أن القاهرة اشترطت أن يقابل كل فلسطيني يخرج من غزة فلسطيني آخر يعود إليها، في موقف وصفه بـ”العربي والقومي الواضح” لمنع التهجير الجماعي.
وأضاف أن هذا الموقف أسهم في كبح المخطط الإسرائيلي الرامي لتفريغ القطاع من سكانه، مؤكداً أن مصر لا تزال تسجل موقفاً مشرفاً في هذا الملف الحساس.

لا مساعدات حتى الآن… حصار معاد تدويره؟
وفيما أعلنت إسرائيل صراحة أن حركة المعبر ستقتصر حالياً على الأفراد دون إدخال المساعدات، تساءل مراقبون عما إذا كان ذلك يمثل نموذجاً جديداً من الحصار المعاد تدويره.
ورأى الأعور أن المرحلة الحالية “تجريبية”، وأن القرار لم يعد بيد نتنياهو وحده، بل بيد الولايات المتحدة، مؤكداً أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الضامن لاتفاق وقف إطلاق النار بمراحله المختلفة.
وأضاف: “أنا متفائل بأن المساعدات والبضائع ستدخل غزة بكميات كبيرة في الأيام المقبلة، لكن يجري حالياً ترويض نتنياهو سياسياً”.

سيناريوهات غزة.. نموذج جنوب لبنان؟ 
وحول ما نشرته صحيفة “معاريف” العبرية عن ثلاثة سيناريوهات أمام إسرائيل في غزة، استبعد الأعور السيناريو الأول القائم على العودة إلى حرب شاملة طويلة، مؤكداً أنه “لن يكون هناك عودة إلى حرب برية تحت أي ظرف”.
ورجّح السيناريو الثالث، القائم على تكريس وضع وسيط عبر مفاوضات مع مماطلة وعمليات قصف موضعية، شبيهة بالنموذج القائم في جنوب لبنان، إلى جانب وجود قوات استقرار دولية أو ما يسمى بـ”مجلس السلام”.
وقال إن الجيش الإسرائيلي سيواصل القصف والاستهداف، حتى في المدارس وأماكن إيواء النازحين، دون العودة إلى حرب شاملة، في ظل التزام الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حماس، بوقف إطلاق النار رغم الخروقات اليومية وسقوط الشهداء.

الإمارات تدخل على الخط… تطور خطير؟
وحذّر الأعور من التقارير العبرية التي تحدثت عن نية الإمارات تولي التجارة وإدارة الأسواق في غزة، والاستعانة بمقاولين إسرائيليين، واعتبر ذلك “تطوراً خطيراً”.
وقال: “بأي حق تأتي الإمارات لإدارة غزة؟ الشعب الفلسطيني هو من يقرر مستقبله. دخول الإمارات يشكل خطراً كبيراً على القضية الفلسطينية، ليس فقط على مستوى المساعدات، بل على مستقبل القضية برمتها”.
وأضاف أن الإمارات “لن تأتي بمكتوفة الأيدي”، بل بقوات ومرتزقة، معتبراً ذلك محاولة لتحقيق أهداف لم يتمكن نتنياهو من تحقيقها عسكرياً، داعياً أبوظبي إلى مراجعة موقفها.

لجنة التكنوقراط… حل مؤقت أم خطيئة سياسية؟
وفيما يتعلق بلجنة التكنوقراط، التي يُتوقع دخولها غزة قريباً، أشار الأعور إلى وجود جدل فلسطيني واسع حولها، متفقاً مع من يعتبر فصلها عن الحكومة الفلسطينية ومنظمة التحرير “خطيئة سياسية”.
لكنه أضاف أن الواقع السياسي الحالي يفرض خيارات محدودة، وأن اللجنة حصلت على “موافقة ومباركة أمريكية”، ما يمكّنها من ممارسة عملها رغم تأخر دخولها القطاع.
وأوضح أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، وربما يكون أعضاء من لجنة التكنوقراط جزءاً منها، مؤكداً أن الأهم هو “ترك غزة لأهلها، فالشعب الفلسطيني هو من يقرر مستقبله”.


استحقاق فلسطيني: شراكة وطنية كاملة
وختم الأعور حديثه بالتأكيد على أن التحدي الأكبر يتمثل في تحقيق شراكة فلسطينية كاملة بين السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس والفصائل كافة، لقيادة المرحلة المقبلة.
وقال: “هذا ما ينقص شعبنا اليوم، قيادة وطنية موحدة قادرة على مواجهة الوصاية، وإعادة بناء غزة، وحماية المشروع الوطني الفلسطيني”.