المحلل الاقتصادي بشارة دباح لـ"شد حيلك يا وطن": إدارة المخاطر والتنويع هما طوق النجاة للمواطن الفلسطيني في ظل تقلب العملات والمعادن

02/02/2026

- السلع الأساسية لم تشهد انخفاضًا في الأسعار رغم تراجع الدولار، ما يثير تساؤلات حول دور الرقابة الحكومية وحماية المستهلك.


انهيار عالمي في قيمة الدولار… والقصة أكبر من سعر الصرف
وطن للأنباء: حذّر المحلل الاقتصادي بشارة دباح من أن الدولار الأمريكي يسير في مسار هبوطي طويل الأمد، في ظل تحولات اقتصادية وجيوسياسية عميقة، مؤكدًا أن ما يجري ليس مجرد تقلبات آنية، بل إعادة تشكيل للنظام المالي العالمي.
وأوضح دباح أن الدولار فقد منذ فك ارتباطه بالذهب عام 1973 نحو 99.6%  من قيمته أمام المعدن الأصفر، وهو ما يفسر الارتفاع التاريخي للذهب من 35 دولارًا للأونصة إلى ما يقارب 4500–5600 دولار في فترات الذروة.

الصين والبريكس… بداية تقاسم النفوذ النقدي العالمي
وأشار دباح إلى أن إعلان الصين سعيها لتحويل عملتها إلى عملة أساسية في التجارة الدولية والاحتياطيات العالمية يمثل ضربة استراتيجية للدولار، مؤكدًا أن الدولار ما يزال يشكل نحو 58% من الاحتياطيات العالمية وقرابة 60% من التجارة العالمية، لكنه لم يعد اللاعب الوحيد.
وأضاف أن التحول التدريجي في تسعير النفط والتجارة الدولية بعملات غير الدولار، كما يحدث بين الصين والهند وإيران، يعزز من ضعف العملة الأمريكية على المدى المتوسط والطويل.

الذهب: الملاذ الآمن يعود بقوة
أكد دباح أن الذهب سيواصل الصعود في ظل تراجع الثقة بالدولار، وتصاعد عدم اليقين الاقتصادي عالميًا، مشيرًا إلى أن موجات البيع الأخيرة للذهب لا تعكس ضعفًا في المعدن نفسه، بل تعود إلى عمليات تسييل اضطرارية لتغطية خسائر في أسواق الأسهم.
وأوضح أن كثيرًا من المستثمرين الذين استخدموا الرافعة المالية اضطروا لبيع الذهب لتوفير السيولة، ما أدى إلى تراجعه المؤقت، لكنه شدد على أن الاتجاه العام ما يزال صعوديًا، وقد تصل الأسعار إلى مستويات أعلى من 6000 دولار للأونصة في المستقبل.

الشيكل مقابل الدولار: تحسّن ظاهري وأسباب غير اقتصادية
تطرق دباح إلى تحسن الشيكل أمام الدولار، موضحًا أن ذلك لا يعكس قوة الاقتصاد الإسرائيلي بقدر ما يعكس تدفقات دعم مالي خارجي وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية لدى إسرائيل.
وبيّن أن الاقتصاد الإسرائيلي تلقى دعمًا ماليًا فاق تكلفة الحرب، ما عزز من استقرار الشيكل، لكنه حذّر من أن هذا الاستقرار هش وقابل للانكسار في حال تغيرت الظروف السياسية أو الاقتصادية.

الودائع في فلسطين: توازن شكلي ومخاطر حقيقية
كشف دباح أن ودائع القطاع المصرفي الفلسطيني بلغت نحو 18.2 مليار دولار في عام 2024، منها 37.5% بالدولار و42% بالشيكل، ما يعكس حالة توازن نسبي بين العملتين.
لكنه أشار إلى أن 74.5%  من هذه الودائع موجودة في حسابات جارية أو توفير لا تحقق فوائد تُذكر، ما يعني أن المواطن الفلسطيني لا يستفيد فعليًا من أي ارتفاع في أسعار الفائدة، بينما يتحمل كامل مخاطر تقلبات العملات.

الخسائر اليومية في جيب المواطن
أوضح دباح أن تراجع الدولار أمام الشيكل أدى إلى خسائر مباشرة في دخل المواطنين، خاصة العاملين في المؤسسات غير المرتبطة بسعر صرف ثابت، مشيرًا إلى أن القدرة الشرائية للمواطن الفلسطيني تتآكل يومًا بعد يوم، في ظل غياب تدخلات حكومية فاعلة لضبط الأسواق.
وأكد أن بعض السلع الأساسية لم تشهد انخفاضًا في الأسعار رغم تراجع الدولار، ما يثير تساؤلات حول دور الرقابة الحكومية وحماية المستهلك.

العقار في فلسطين: أسعار مرتفعة رغم تراجع الدخل
تحدث دباح عن المفارقة الصادمة بين تراجع الدخل الفردي وارتفاع أسعار العقارات، موضحًا أن معدل دخل الفرد انخفض من نحو 2800 دولار قبل عامين إلى 2080 دولار العام الماضي، في حين واصلت أسعار الأراضي والشقق ارتفاعها.

وأشار إلى أن توسع البنوك في الإقراض العقاري، وتمديد فترات القروض إلى 25 و30 عامًا، وزيادة نسبة الاقتطاع من الدخل إلى 50%، أدى إلى تضخم الطلب وارتفاع الأسعار، رغم ضعف القدرة الشرائية الحقيقية.

وحذّر من أن هذا النموذج الاقتصادي يهدد الصمود الاجتماعي، ويحوّل جزءًا كبيرًا من دخل الأسر إلى خدمة القروض بدل الاستثمار في التعليم والصحة والغذاء.

الذهب والأسهم والسندات: علاقة متشابكة
شرح دباح أن تراجع الذهب الأخير مرتبط بانهيارات أسهم التكنولوجيا التي خسرت ما بين 11% و15% خلال أسبوع، ما دفع المستثمرين إلى تسييل أصولهم لتغطية مراكزهم المالية، خاصة في ظل استخدام الرافعة المالية.
وأكد أن هذا التراجع لا يلغي حقيقة أن الذهب ما يزال الملاذ الآمن الأول عالميًا في أوقات الأزمات وعدم اليقين.

البيتكوين ليس بديلاً مضمونًا
وحول العملات الرقمية، أشار دباح إلى أن البيتكوين لم يثبت نفسه كملاذ آمن مستقر، إذ شهد تقلبات حادة ولم يحقق التوقعات المتفائلة التي رُوّج لها، مؤكدًا أن لا أحد يستطيع التنبؤ بدقة بمسار هذه الأصول عالية المخاطر.

رسالة أساسية للمواطن الفلسطيني: التنويع لا المغامرة
شدّد دباح على أن أفضل استراتيجية في هذه المرحلة هي إدارة المخاطر عبر التنويع، لا السعي وراء أرباح سريعة، قائلاً:
“لا تضع كل أموالك في الدولار ولا في الشيكل ولا في الذهب وحده. التنوع هو الطريق الوحيد لحماية مدخراتك في زمن الانهيارات والتقلبات.”
وأوضح أن المواطن الفلسطيني، بحكم محدودية دخله وضعف شبكات الأمان، لا يملك رفاهية الخسارة، ما يجعل الاستقرار النسبي وحماية رأس المال أهم من تعظيم الأرباح.

الخلاصة:
• الدولار في مسار هبوطي طويل الأمد.
• الذهب مرشح لمزيد من الصعود بوصفه الملاذ الآمن الأول عالميًا.
• التنويع وإدارة المخاطر هما الخيار الأذكى للمواطن الفلسطيني في هذه المرحلة.
• الواقع الاقتصادي المحلي يتطلب سياسات تدخل وحماية اجتماعية عاجلة قبل تفاقم الأزمات.