
رام الله – وطن للأنباء: عقد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – أمان، لقاءً حواريًا تشاوريًا لمناقشة مسودة تقريره بعنوان: "واقع استقلالية النيابة العامة الفلسطينية وأثر ذلك على النزاهة في الحكم"، كونها الجهة المسؤولة عن حماية الصالح العام وضمان تطبيق القانون بشكل عادل وشفاف.
وقال بلال البرغوثي المستشار القانوني في ائتلاف أمان، إن النيابة العامة تعد حجر الزاوية في منظومة العدالة، فهي التي يناط بها مسؤولية تحريك ومباشرة الدعوى العمومية باسم المجتمع، وحماية المصالح العامة، وضمان احترام سيادة القانون وصون الحقوق والحريات الأساسية، كما تمثل صمام الأمان في تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن المجتمعي وضمانات المحاكمة العادلة، ولذلك هي عنصر حيوي في ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون ومنع التعسف في استخدام السلطات لضمان نزاهة الحكم في فلسطين.
وأوضح البرغوثي في حديثه لبرنامج "شد حيلك يا وطن" عبر شبكة وطن الإعلامية انه تعقيد البيئة السياسية والدستورية، وغياب الاستقرار المؤسسي في الحالة الفلسطينية، وتداخل الصلاحيات بين السلطات، وهيمنة السلطة التنفيذية عليها في ظل تعطل المجلس التشريعي، ألقى بظلاله على استقلال النيابة العامة وفعاليتها، على الرغم مما نص عليه القانون الأساسي الفلسطيني وقانون السلطة القضائية بتعديلاته من قواعد لضمان استقلالية النيابة العامة وحيادها إلا أن التطبيق العملي يكشف فجوات عميقة بين النصوص النظرية والممارسات العملية .
مضيفا "هناك إشكاليات متعلقة بتعيين النائب العام، فلو كان المجلس التشريعي قائما كان من المفترض ان يصادق على تعيينه، وتعيين وكلاء ومحامي النيابة التي تخضع الآن للسلطة التنفيذية دون مشاركة فاعلة من المجلس التشريعي أو أي جهة مستقلة أخرى، مما يضعف الضمانات المؤسسية للاستقلال ويتيح المجال للمحاصصة أو التوصية السياسية في بعض الحالات".
وحول انعكاس ضعف استقلال النيابة العامة على حياة المواطن بشكل عام أكد البرغوثي أن النيابة العامة في فلسطين لا تزال محكومة بإطار قانوني غير مكتمل، حيث لا يوجد قانون خاص ينظم عملها بشكل مستقل مالياً وإدارياً وهذا يجعلها عرضة لتدخلات السلطة التنفيذية، ويضعف قدرتها على أداء دورها كجهة إيداع مستقلة ما ينعكس على ثقة الجمهور بمنظومة العدالة.
وتابع "أن النيابات المتخصصة داخل النيابة العامة تعاني من غيابٍ لإطارٍ تنظيمي موحد ما يؤدي لغياب التنسيق وضعف الأداء المتوازن في القضايا المتخصصة على رأسها قضايا الفساد، والقضايا الاقتصادية و الجرائم الإلكترونية".
وأضاف "أن دور النيابة في ملاحقة قضايا الفساد محدود ويعاني في بعض الأحيان من بطء في التعاون مع الملفات ذات الحساسية السياسية أو المتعلقة بنفوذ مسؤولين كبار ، مع عدم تواجد آلية رقابة داخلية فعالة على قرارات النيابة العامة بما في ذلك قرارات النيابة بالحفظ أو الإحالة للدعاوى، كما أن الطعون أمام المحاكم العليا على هذه القرارات تظل محدودة الأثر في تحقيق المشاركة وكل هذا يؤثر على مدى ثقة الجمهور بمنظومة العدالة برمتها."
وأكد أن التوصيات الصادرة إزاء ذلك كثيرة أبرزها في الجانب القانوني والتشريعي بضرورة الإسراع في إصدار قانون خاص ينظم عمل النيابة ويكفل استقلالها المالي والإداري، ويحدد صلاحياتها بشكل واضح ودقيق، مع تنظيم علاقة النيابة مع السلطتين التنفيذية والقضائية، وتعديل النصوص المتعلقة بالتعيين وخصوصاً تعيين النائب العام ووكلاء النيابة بحيث تلزَم بإجراءات شفافة ومعلنة قائمة على المسابقة والجدارة بإشراف جهة قضائية مستقلة، مع وجود دور رقابي بواضح للسلطة التشريعية حين تعود للانعقاد.
وفيما يتعلق بـــ الحوكمة والإدارة، قال البرغوثي ان هناك ضرورة لاعتماد موازنة مالية مستقلة للنيابة العامة ضمن موازنة السلطة القضائية تُقر من جهة تشريعية مستقلة، وإنشاء وحدة رقابة وتفتيش داخلي في النيابة العامة تكون ملزمة بإصدار تقارير دورية علنية حول الأداء وقرارات الحفظ والإحالة، وتعزيز الكادر المتخصص في المجالات ذات الأولوية في جرائم الفساد، والجرائم الاقتصادية، والجرائم الالكترونية، بحيث يكون التوظيف مبني على الجدارة والتدريب المستمر.
أما في جانب الشفافية والمساءلة فقال البرغوثي "نرى ضرورة نشر جميع إعلانات التعيين والوظائف على الموقع الرسمي، وعبر بوابة إلكترونية خاصة بالنيابة، وضرورة إلزامها بإصدار تقرير سنوي مخصص للجمهور يتضمن إحصاءات ونتائج عملها".
وأشار البرغوثي الى ضرورة تطوير آليات الطعن في قرارات النيابة بما يضمن حق المتضرر في المراجعة الفعلية امام جهة قضائية، بالإضافة لتوقيع بروتوكولات تعاون مع هيئة مكافحة الفساد لضمان التكامل والحد من ازدواجية الإجراءات ما بين النيابة والهيئة وضرورة إشراك مؤسسات المجتمع المدني والجهات الحقوقية في الرقابة على أداء النيابة من خلال تقارير مشتركة ومراجعات دورية.
.jpg)
من جانبه قال الدكتور أيمن الظاهر المحامي والباحث والأكاديمي أن الموضوع يتعلق في العوامل القانونية بشكل رئيسي وانعكاسها على أداء عمل أعضاء النيابة بالدرجة الرئيسية، فلو كان هناك نصوص قانونية واضحة وصريحة وقاطعة في استقلالية أعضاء النيابة العامة وعملها كمؤسسة قضائي لما وصلنا الى إلى هذا التناقض أو الاختلاف في وجهات النظر حول الطبيعة القانونية للنيابة العامة فيما إذا كانت هي سلطة قضائية أو سلطة تنفيذية.
وأوضح أن القوانين والمنظومة التشريعية المنظّمة لعمل النيابة العامة تعاني من اختلاط وتداخل فيها، بين اعتبارها هل هي سلطة تنفيذية أو سلطة قضائية، مؤكدا في الوقت ذاته ان اعتبار النيابة سلطة تنفيذية ليس معيبا، فهناك نماذج كثيرة في دول العالم تكون النيابة العامة فيها جزء من السلطة التنفيذية ولا حرج في أن نصل في مرحلة معينة إلى القول بأن النيابة العامة هي سلطة تنفيذية .
وتابع الظاهر أن الناظر للوهلة الأولى في النصوص التشريعية يجد أن النيابة العامة وكأنها شعبة من شعب السلطة القضائية ولكن التطبيق العملي أظهر غير ذلك، فهناك نصوص تشريعية تؤثر على عمل النيابة العامة وتؤدي إلى تدخل السلطة التنفيذية في عملها سواء كان من وزارة العدل أو مؤسسة الرئاسة سواء في التعيينات والأمور الأخرى وهذا كله من شأنه أن يؤثر على استقلالية عمل النيابة وكأنها لا تبدو تابعة للسلطة القضائية بل منحازة أكثر في عملها الى السلطة التنفيذية.
وحول العقبات التي تحد من عمل النيابة العامة بشكل مستقل، أشار الظاهر أنه وفقا للنصوص التشريعية التي تسمح في التدخل في عمل النيابة العامة فأن أساس سلطة النيابة العامة هو النائب العام وهذا المركز يعين من قبل الرئيس بموجب نص دستوري في القانون الأساسي الفلسطيني دون أن يكون هناك أي شروط أو آليات أو حدود معينة لتعيين شخص النائب العام وإن كان العرف في الوقت الحالي أن يتم تعيين النائب العام من داخل مؤسسة النيابة العامة وهذا أمر جيد جدا ولكن لا يوجد ما يمنع أن يتم تعيين النائب العام من خارجها بل من خارج مؤسسة القضاء ومن خارج منظومة العدالة اذ لا يوجد أي قيود أو شروط على ذلك وهذا يجعل من رأس النيابة العامة يتبع بالدرجة الرئيسية للسلطة التنفيذية.
وأضاف الظاهر "من جانب آخر هناك بعض الصلاحيات لوزارة العدل ولوزير العدل على أعضاء النيابة العامة و هذه الصلاحيات إدارية بالدرجة الأولى، لكنها مهمة جدا قد تمنع تشكيلة النيابة العامة وهذا في الماضي قد حدث".
وأضاف "أن تدخل وزير العدل في منع تشكيلة أصدرها النائب العام يؤثر على عمل أعضاء النيابة فكيف لوكيل نيابة أو رئيس نيابة أن يباشر عمله وهو يعلم بأن الدعوة التأديبية أولا تقام ضده من قبل وزير العدل، وأن عمله في مكانه ومقره قد يكون منوط بموافقة وزارة العدل، وهذا كله عقبات حقيقية لتدخل السلطة التنفيذية في عمل النيابة العامة."
وحول التوصيات التي من الواجب اتخاذها لتعزيز استقلالية النيابة العامة وحماية سيادة القانون أشار الظاهر الى ضرورة توحيد السياسة التشريعية خاصة أننا نجد سياستين تشريعيتين يتنازع عمل النيابة العامة فيهما وهي سياسة تشريعية مصرية و سياسة تشريعية أردنية وهذا أدى إلى الخلط الموجود .
وتابع "يجب توحيد السياسة التشريعية من خلال أمرين إما بإصدار قانون خاص بالنيابة العامة يحدد تبعيتها بالدرجة الأولى و الطبيعة القانونية لها ويحدد طبيعة عمل أعضاء النيابة العامة، لأن الوضع الحالي يضر بمركز أعضاء النيابة العامة فهناك أعضاء نيابة عامة بدرجة رئيس نيابة مقارنة بدرجة أقدميتهم التي قد تصل إلى درجة رئيس محكمة عليا لأن القانون لا يُوجد ما يسمح له بالتدرج وهذا من المشاكل الحقيقية.
وتابع الظاهر " أما الأمر الثاني هو أن يتم إعادة النظر وتعديل النصوص التشريعية الواردة في القانون الأساسي ابتداءً، وقانون السلطة القضائية ثانياً وقانون الإجراءات الجزائية ثالثاً، وهنا نحدد تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية ويكون ذلك بنص صريح وواضح وأن نأخذ الخيار الذي تتبناه النيابة العامة نفسها بأنها شعبة من شعب السلطة القضائية وأن يتم النص على ذلك في هذه القوانين".