بقدمٍ مبتورة وذاكرة مُثقَلة… ألفت جمعة تواجه قسوة الحرب داخل خيمتها

07/08/2025

نغم كراجة- غزة- وطن للأنباء: في خيمة ضيقة لا تتجاوز بضعة أمتار، تفترشها عائلة من خمسة عشر نازحًا تحاول ألفت جمعة (٣٢ عامًا) أن تجد لها زاوية تحمل فيها ما تبقّى من جسدها وذاكرتها المثقلة بالوجع دون جدوى، منذ أن فقدت قدمها اليمنى في قصف إسرائيلي استهدف منزلها شمال غرب غزة في نوفمبر 2023، باتت حياتها سلسلة من التحديات اليومية تبدأ من الخروج من الخيمة ولا تنتهي عند محاولتها الذهاب إلى المرحاض.

تقول ألفت بصوت هادئ يخنقه الغصّة: "لم أكن أتخيّل يومًا أنني سأعيش بلا والدتي، بلا منزل، وبلا قدم… كل شيء ذهب دفعة واحدة. كأنني لم أكن في هذه الحياة أصلًا. كل ما تبقّى مني هو سؤال معلق في رأسي: لماذا نُركنا للموت وحدنا؟".

كانت ألفت الناجية الوحيدة من أسرتها بعد أن انهار منزلهم المكوّن من ثلاثة طوابق على رؤوس من فيه، دون سابق إنذار، رُفعت من بين الركام وهي فاقدة للوعي، لتصحو لاحقًا على صدمة مضاعفة: بتر كامل في ساقها اليمنى، وخبر استشهاد والدتها "حين همست لي الممرضة أن أمي استشهدت، شعرتُ كأن قلبي خُلع من بين ضلوعي، وكانت في تلك اللحظة تلفّ ضمادة فوق ما تبقى من قدمي"، ترفع عينيها إلى السماء وتكتم دمعة عصية على الانهيار.

اليوم تعيش ألفت في خيمة بلا خصوصية "حتى الحزن لا أملكه لنفسي… أريد أن أصرخ، أن أبكي، أن أستلقي بصمت، لكن دائمًا هناك من يمرّ، من ينظر، من يتنهد أمامي..حتى مساحة الوجع تُشاركك فيها الآخرين"، تقولها ثم تبتسم بمرارة.

حين تحتاج إلى الذهاب لدورة المياه تبدأ معركة أخرى مع الأرض غير الممهدة، والظلام، والخوف "أرفع نفسي على الكرسي المتحرك كأنني أجرّ نفسي من رماد، وأمضي بصعوبة بالغة، وفي كل خطوة أشعر وكأنني أُعرِّي جرحي أمام الركام"، تشير بيدها إلى أطراف الطريق المحيطة بالخيمة.

أما حين يحين موعد تنظيف الجرح، فالمعاناة تتضاعف، الطرقات المليئة بالحجارة والنفايات المتكدسة، وضجيج الحرب المتواصل تجعل من التنقل بين الخيمة والنقطة الطبية عذابًا مضاعفًا.

"انتهت أحلامي في لحظة..لا أريد شيئًا من هذه الحياة سوى أن تتوقف الحرب، وأن أرى أمي مجددًا، وأستعيد قدمي… أو بعضًا من نفسي"، تقولها ألفت ثم تلوذ بصمت ثقيل كأنها تخشى من سقوط الكلمات كما سقط بيتها ذات ليل.