
غزة- وطن للأنباء- نغم كراجة: في ساعة متأخرة من الشهر الفائت، تحوّل مركز الإيواء الكائن في مدرسة “فهمي الجرجاوي” بحي الدرج وسط مدينة غزة إلى جحيم مفتوح، بعد استهداف مباشر أدى نيران التهمت عشرات النازحين وأحرقت خيامهم وغرفهم الإسمنتية، في مشهدٍ وُصف بأنه الأسوأ منذ اندلاع الحرب.. الناجية خولة حمدان، 17 عامًا، لجأت إلى المركز بحثنا عن الأمان، لكنها شاهدت الموت هناك
ورغم أن مركز الإيواء دُمّر بالكامل، لم تغادر خولة المكان، بل نصبت خيمة في ذات الساحة، ولسان حالها يتسأل "إلى أين أرحل؟ لا مكان آمناً ولا مأوى آخر لنا… البقاء تحت الأنقاض أقرب إلى الأمان من هلاك الطرقات".
ما حدث في مدرسة فهمي الجرجاوي ليس استهدافًا لموقع عسكري ولا حادثًا عرضيًا بل جريمة مكتملة الأركان بحق مدنيين لجأوا إلى ما ظنّوا أنه آخر مظلة للحياة، والمسؤولية الآن لا تكمن فقط في توثيق الأضرار إنما في مساءلة الجناة وكسر صمتٍ طال أكثر من اللازم.
خولة كانت تقيم في غرفة تقع داخل المدرسة، تستعيد اللحظة التي انقلب فيها ليلها إلى كابوس قائلاً لوطن للأنباء، "خلدت إلى النوم قرابة الساعة العاشرة ليلاً، داخل الغرفة التي تأويني وعائلتي، وحين دقت الساعة الواحدة، شعرت بأن الأرض تنفجر تحت جسدي، تهاوت الجدران، تطايرت الشظايا، والنيران كانت أسرع من الصراخ… الغرفة التي لجأنا إليها انقسمت إلى جحيمين؛ نصفها تآكله اللهب والنصف الآخر مغمور بالغبار والركام، لم أدرك حينها ما الذي حدث، سوى أنني بدأت أصرخ من أعماق حلقي: شو اللي صار؟ شو اللي صار؟".
توضح خولة أن الغرفة التي كانت تحتضن أكثر من عشرين فرداً من أقربائها، احتجزتهم النيران خلف بابين؛ أحدهما خشبي ذاب بالكامل، والثاني حديدي انطبق على من بداخلها ولم يُفتح، تبين: “لو لم تصل مجموعة من الشبّان وتقوم بهدم الحائط بأيديهم العارية، لكنا جميعًا رمادًا الآن… لم أهرب بحثاً عن علاج، كنت أبحث عن أمي، عن أبناء إخوتي، عن أي نبض يشير أن هناك ناجين، أربع جثث انتشلناها متفحمة، أما البقية، فكانت أجسادهم مغطاة بحروقٍ عميقة، معظمهم نساء وأطفال.”
ورغم الحروق التي طالت يديها ووجهها، لم تدرك خولة إصابتها إلا بعد وصول الإسعاف الذي نقلها إلى مستشفى المعمداني، حيث تلقت العلاج الطارئ بعلاجٍ بسيط لعدم وجود الامكانيات الطبية المطلوبة لحالتها، تقول بصوتٍ مرتجف: "رأيت أحد أبناء أشقائي يحترق أمامي ولم أستطع إنقاذه، وأمي كانت تصرخ وهي تتلوى من الألم، وسط ألسنة لهبٍ تبتلع المكان. كل من في المدرسة كان يستغيث، حتى من في الخيام المجاورة… كنا نسمع صرخات الأطفال وهي تخبو، وكأنهم يودعون الحياة".
أما الشاب مهند حمدان، 22 عامًا، فقد كان شاهداً وفاعلًا في محاولات الإنقاذ اليائسة، حيث هرع بكل ما يملك من قوة بحثًا عن ناجين بين الركام، يروي لوطن للأنباء: "كنت على وشك النوم عندما دوّى الانفجار، اهتزّت الأرض، وسقط سقف الخيمة فوق رأسي، لم أفق إلا على لهب يحاصرنا وصراخ يملأ الفضاء… حاولت هدم الجدران بأظافري، وجُرحت يداي وأنا أرفع الركام بحثاً عن إخوتي".
ويستحضر مهند لحظة انتشال الطفلة ورد الشيخ خليل، التي ظهر مقطع فيديو لها محاطة بالنيران: "وصلنا إليها بعد عناء، وجدناها قد فارقت الحياة، جسدها ذاب… لم نستطع حتى احتضانها..انتقلنا فوراً للبحث عن آخرين؛ لأن كل ثانية كانت تفرق بين الموت والحياة".
وأكد أن فرق الدفاع المدني عجزت عن إخماد الحريق الذي تجاوز حدود المدرسة، مشيراً إلى أن هناك جثثاً متفحمة لا يمكن التعرف على أصحابها، إضافة إلى مفقودين لم يُعثر عليهم حتى اللحظة، يحكي: “المجزرة أكبر من أن تُوصف… الجثث بلا ملامح، الأمهات يبحثن عن أولادهن بين الرماد، وكلنا نحمل سؤالًا واحدًا: كيف ينجو إنسانٌ في مكانٍ لا تُميّز فيه النار بين خيمة وطفل؟"