صابرة.. تصارع مرض السرطان تحت الحصار والنزوح

21/04/2025

وطن-نغم كراجة: وسط شارعٍ ترابيٍّ متآكل، تجلس صابرة الزعانين، المرأة الخمسينية التي أنهكها النزوح والمرض، على حجر صغير قرب خيمتها المهترئة شمال قطاع غزة، لم تكن الخيمة مأوى فقط، بل أصبحت آخر محطات الصبر في معركة شرسة تخوضها ضد سرطان خبيث ينخر جسدها بلا رحمة.

وبينما كانت تتحدث، رفعت طرف شالها الداكن لتجفف عرقها البارد، وقالت بصوتٍ متقطع: "أشعر أن المرض يأكلني قطعةً قطعة.. كأنني أذوب ببطء، ولا أحد ينظر إليّ، ولا دواء يوقف هذا الانحدار المخيف"

صابرة الزعانين، التي عُرفت بين جيرانها في بيت حانون بصلابتها، نزحت مرارًا من زاوية لأخرى منذ بداية الحرب، ولم تغادر القطاع رغم كل النداءات بإخلاء الشمال، متمسكة بأرضها، لكنها اليوم عاجزة حتى عن الوقوف على قدميها. "لم أعد أحتمل.. جسدي بات هشًّا كغصن يابس، ومجرد التنفس أصبح حملاً ثقيلًا"، قالتها وهي تغمض عينيها وتهز رأسها بأسى.

رحلة ألم مزدوجة: الحرب والسرطان

تعاني صابرة منذ ثلاث سنوات من سرطان الثدي، وقد خضعت لعملية استئصال لثديها الأيمن قبل عام، كان يفترض أن تتبعها جلسات علاج كيماوي منتظمة في الخارج، غير أن الحرب حالت دون سفرها، ومنذ ذلك الحين تسارع المرض وانتشر إلى مناطق أخرى من جسدها.

"كان لدي أمل أن أستكمل علاجي في الخارج كما وعدوني ذات يوم لكن المعابر أغلقت، والمرض لم يغلق شهيته عن جسدي، كنت أعدّ الأيام حتى أهرب من الألم، فإذا به يطاردني في كل مكان"، تقول لوطن للأنباء بصوت منكسر ونظراتها شاردة نحو الأرض.

فوق معاناتها مع السرطان، تعاني صابرة من مرض السكري الذي يتطلب أدوية منتظمة لكن تلك الأدوية باتت عملة نادرة في غزة، وإن توفرت في السوق السوداء فإن أسعارها تفوق قدرة أي عائلة على الشراء، تشير إلى علبة دواء فارغة قُرب وسادتها المهترئة، وتروي: "أحياناً أُجبر على خلط أدوية مختلفة، أو أتناول أعشاباً فقط لتهدئة الألم لكن جسدي لم يعد يحتمل.. لا العلاجات البديلة تُجدي، ولا المستشفيات تستقبلني، ولا الأطباء يجدون وقتًا لفتاة منسية مثلي"

تدهور صحي حاد وغياب تام للرعاية

بسبب انعدام المتابعة الطبية، عاد الورم إلى منطقة الثدي المستأصل ما أدى إلى تورم مؤلم ومُقلق، كلما حاولت الذهاب إلى العيادات القريبة قوبلت بالأبواب المغلقة أو بعدم وجود أدنى الإمكانيات الطبية، لم تخضع لأي فحوصات دورية منذ عام، ولم تتناول جرعة كيماوي واحدة منذ أن تقطعت بها السبل.

تحكي بمرارة: "هل يُعقل أن تموت امرأة مصابة بالسرطان لأنها وُلدت في غزة؟ لا أطلب شيئًا كبيرًا، فقط فرصة للنجاة، للعلاج، للسفر.. لماذا يُحرم المرضى من أبسط حقوقهم؟"

بين الحين والآخر، تدخل صابرة في غيبوبة مفاجئة نتيجة تدهور حالتها الصحية، وعندما تصحو، تجد نفسها ملقاة على الأرض أو بين أذرع ابنتها، دون جهاز إنعاش أو طبيب طوارئ، تشير إلى جسدها وتقول:  "هذا ليس جسدًا.. هذا سجنٌ مؤلم أعيشه كل يوم، أتمنى فقط أن أخرج منه حيّة"

مناشدة أخيرة للعالم

صابرة لا تطلب إلا السفر العاجل لاستكمال العلاج، لا تطمح لحياة مترفة، ولا لبيت من إسمنت بدل خيمتها بل فقط فرصة أخيرة للنجاة، قالت بتوسل ودموعها تخنق صوتها: "أناشد كل ضمير حي.. أناشد الجهات الرسمية والدولية.. أنا لا أملك ثمن تذكرة، ولا وساطة لعبور معبر.. فقط أنقذوني قبل أن يتوقف هذا القلب إلى الأبد".

تُعد حالة صابرة واحدة من عشرات الحالات الحرجة لمرضى السرطان في غزة، الذين تُركوا فريسة للمرض والمجاعة وسط حرب أكلت الأخضر واليابس، وبينما تزداد الأصوات المنادية بفتح المعابر الطبية، تبقى صابرة الزعانين مثالاً صامتًا لألمٍ يتجاوز حدود التحمل الإنساني، وينتظر رداً من العالم قبل أن يكون الرد الوحيد هو صمت القبر.

"هل هناك أحد يسمعني؟ أم أن الموت هو من سيرد أولاً؟" ختمت صابرة ثم انحنت على وسادتها، وهي تمسك بصدرها المتورم، كأنها تحتضن آخر ما تبقى من أمل.