باحثان من مصر وتونس لوطن: الانتفاضة الأخيرة قضت على "صفقة القرن" وأوقفت قطار التطبيع

02/06/2021

** خارطةٌ جديدةٌ تتشكّل في المنطقة وزخم التطبيع بدأ يتلاشى

** علينا أن لا نبدد التراكمات والمكاسب الكبرى التي حققها الشعب الفلسطيني

** ما حدث هو تجاوز لإطار ثقافة ترسبت منذ عام 1991؛ أي ثقافة حل الدولتين والمسار التفاوضي والتعايش المشترك

** صمود الفلسطينيين أحدث شرخًا في المجتمع الإسرائيلي ودفع مثقفي الغرب وسياسييه لتغيّير مواقفهم تجاه القضية الفلسطينية

وطن للأنباء: أكد ضيفا برنامج "أصوات عربية حرة" -الذي تبثه شبكة وطن الاعلامية- على ضرورة البناء على ما حققته المقاومة الفلسطينية من نصر كبير في الميدان، من خلال توظيفه على المدى الاستراتيجي لصالح القضية الفلسطينية على مختلف الصعد المحلية والاقليمية والدولية.

وقد استضافت الحلقة الثانية التي كانت بعنوان "النتائج الاستراتيجية لانتصار انتفاضة الأقصى 2021"، المستشار د. هشام جعفر من مصر، وهو باحث في شؤون الحركات والفكر الإسلامي من مصر، ود. محرز الدريسي، الباحث في الشؤون السياسية والأستاذ بالمعهد الأعلى بجامعة تونس.

وقال د.جعفر إنّ الهبّة الشعبية الفلسطينية الأخيرة جاءت ضمن إطار الموجة الثالثة لموجات الربيع العربي، مبينًا أنّها عملت على تحريك جماهير واسعة، كما أنّها طرحت عددًا من القضايا والموضوعات التي ترتبط بطبيعة هذه الانتفاضة، وفي إطار هذا السياق المتسع؛ يجب أن نفهم الموقف العربي، خصوصًا الموقف المصري والأردني من الأحداث الأخيرة، فمن الملاحظ أنّ هناك تحوّلًا مستمرًا، وإعادة تموضع، وإعادة بناء تحالفات؛ عبر تجاوز التحالفات التي كانت موجودة، وما جرى في فلسطين أو انتفاضة القدس الأخيرة؛ أحدث شكلًا من أشكال الحراك العربي الداعم لحرية الشعوب".

واستكمل "خلال العقد الماضي؛ أي عقد الانتفاضات العربية؛ شهدنا شكل من أشكال التحوّل جرّاء التجاوب مع الانتفاضة الفلسطينية التي جرت في العقد الأوّل من الألفية؛ وهي كانت أحد العناصر الأساسية المحرّكة لما أطلق عليه "الموجة الأولى" من الانتفاضات العربية، لكن في العقد الثاني؛ حدث تراجع شديد للقضية الفلسطينية على المستويين الشعبي والرسمي، وقمّة هذا التراجع؛ تجلت في صفقة القرن، إلّا أنّ ما جرى مؤخرًا؛ هو أن الجماهير استعادت القضية الفلسطينية".

وبحسب جعفر؛ فإنّ صفقة القرن قامت على ثلاثة عناصر أساسية، وهي التطبيع، و"السلام" دون الحديث عن الحقوق الفلسطينية وثالثا تهويد القدس، مبينًا أنّ ما جرى في الانتفاضة الأخيرة قضى على هذه العناصر، واصفًا صفقة القرن بأنها "متآكلة"، مُحذّرًا من إجراءات لاحتواء المكاسب الفلسطينية؛ عبر إعادة التطبيع بصيغ جديدة.

وحول الموقف الشعبي المصري؛ أوضح جعفر أنّ هناك حالةً عاطفية- شاعرية يجب أن نلتقطها؛ وذلك عبر الاجماع الشعبي المصري بين فئات وخلفيات فكرية وسياسية متعدّدة، تجلّى ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرًا ذلك تطورًا بعد حالة الاستقطاب الشديد التي عمت الرأي العام المصري، وهناك استعادةً بالغة الأهمية من الأجيال الشابة للقضية الفلسطينية باعتبارها قضيةً أساسيةً.

وأضاف: "المهم؛ أن لا نبدد التراكمات الإيجابية أو المكاسب الكبرى التي حققها الشعب الفلسطيني. أيضًا؛ شهدنا شكلًا من أشكال التجاوب في الرأي العام العالمي، وفيما يخص الموقف الرسمي؛ فهو لم يتغيّر كثيرًا، واستجابة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" للأحداث الأخيرة كانت نتيجةً لضغط الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي؛ وهو ما الذي دفع للضغط على الاحتلال كي يوقف عدوانه على الشعب الفلسطيني، كما أنّ هنالك تغيّرات داخل التركيبة السياسية الأمريكية، تحديدًا أنّ الأجيال الشابة هناك لها انحيازات اجتماعية بالغة الأهمية، ناهيك أن الأجيال الشابة من اليهود تجاوزت فكرة الصهيونية؛ وهذه خرائط تفصيلية يجب فهمها ووضع استراتيجيات لدعمها، والعقل الاستراتيجي الإسرائيلي ينظر إليها بتمعّن، ويعتبر ما جرى مؤخرًا؛ شكلًا من أشكال فشل نظرية الردع، وأيضًا؛ هبة الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل الذي اعتبرها الاحتلال تهديدًا وجوديًا، يضاف إلى ذلك فشل سياسات الأسرلة أو تحول فلسطينيي الداخل إلى "إسرائيليين" عبر الأطر المادية- النفعية".

د.محرز الدريسي، بيّن أنّ الانتفاضة الشعبية الفلسطينية ليست حدثًا منعزلًا وإنما لها روابط وامتدادات مع ما جرى في المنطقة العربية خلال العقد المنصرم، موضحًا أنّ الربيع العربي أحدث تحوّلات كبيرة في مستوى الوعي العام وشبكة القيم السائدة، مفسرًا ذلك بأنّ هذا الربيع استحضر الانتفاضات الفلسطينية التاريخية، مؤكدًا أنّ القضية الفلسطينية استعادت مكانتها بعد زخم التطبيع الذي يتلاشى الآن، مردفًا بأنّ هناك نظرةً جديدةً للقضية الفلسطينية ومحوريتها ومركزيتها ليس من الشعوب فحسب؛ بل بمنطق الحسابات السياسية للأنظمة، مستطردًا أن خارطةً جديدةً تتشكّل في المنطقة.

وتحدّث الدريسي موضحًا: "الانتفاضة الأخيرة أججت المشاعر والجانب الوجداني، خصوصًا لدى الشعبين المصري والأردني نظرًا للخصوصية الشعبية والجغرافية، بالرغم من محاولات تقليص تداعيات الانتفاضة وأثرها على المشهد العربي، من حيث إعادة صياغة الأحداث التي حاولت الأنظمة العربية تجميدها أو محاولة تسييج الحراك الفلسطيني الذي أعاد إلى القضية الفلسطينية ثوريتها، ليست كقضية عربية فقط؛ بل كقضية تحرر عالمي؛ وهو الأمر الذي سيعيد القضية إلى مسارها الطبيعي والحقيقي كقضية كونية ومركزية".

واردف: "بالنسبة لحركات التحرر لا يمكن أن تكون معايير التقييم آنية ومباشرة؛ من ناحية الكم والحسابات الآنية، فما حدث هو تجاوز لإطار ثقافة ترسبت منذ عام 1991 وحتّى الآن؛ أي ثقاقة حل الدولتين والمسار التفاوضي والتعايش المشترك، وإذا لم تقضِ الانتفاضة الأخيرة على هذه الأفكار؛ فإنها أدرجت نوعًا من المراجعة لهذه الثقافة من خلال ما أنجزته، واستطاعت خلخلة هذه القناعات، لذا؛ نشهد قيامة جديدة للقضية الفلسطينية".

وفيما يرتبط بالتضامن الشعبي التونسي مع القضية الفلسطينية؛ أكّد الدريسي أنّ نقاشًا برلمانيًا حادًا قبل الأحداث الأخيرة انعكس على الشارع التونسي، وهو النقاش الذي اعتبر التطبيع مرفوضًا، ويجب "دسترة" رفض التطبيع، مستدركًا أنّ جدلًا كبيرًا داخل النخب التونسية حول هذا الأمر؛ إلّا أنّ الانتفاضة الشعبية الفلسطينية حرّكت الشارع التونسي، تحديدًا الشباب والمنظمات المهنية والمجتمع المدني.

وأضاف مستطردًا: "لا ينبغي أن يقتصر تفاعلنا على الجانب العاطفي، بل تحويل هذه العاطفة إلى أفكار وابتكارات سياسية، خاصّةً أنّ هناك نزعةً ابتكاريةً- إبداعيةً لدى الشعب الفلسطيني في مقاومته للاحتلال، والانتفاضة الأخيرة أحدثت شرخًا في المجتمع الإسرائيلي الذي يسأل مثقفوه ونخبه أسئلةً وجوديةً، كما أنّ عددًا من مثقفي الغرب وسياسييه عبّروا عن تغيّر في مواقفهم تجاه القضية الفلسطينية، بالرغم من محاولات الأنظمة الرسمية استبعاد الفاعلين في الانتفاضة الفلسطينية؛ إلّا أنّ أسئلة عميقة بدأت تبرز، وستحدث تغييرات، ولو طفيفةً".

وختم قائلا: "يجب أن ننتبه لمحاولات إفراغ العمل النضالي للمقاومة من محتواه، وأيضًا؛ يجب أن ننتبه من اعتبار ما حدث انتصارًا نهائيًا، وهذا يتطلب اليقظة، والبناء على التحولات الإيجابية التي أحدثتها المقاومة، سواء على الصعيد الميداني أو على صعيد الرأي العام العالمي، زيادةً على ذلك، ما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي من تململ، واستشعار لتهديد وجودي من المقاومة، وإمكانية وصول قوة نارها إلى مختلف المناطق؛ وهو ما جعل المجتمع الإسرائيلي يطالب بتقديم تنازلات للفلسطينيين وإعادة النظر بالسياسة اليمينية؛ وهو نتيجة لزحزحة مجموعة من القناعات التي أُقنع بها المستوطنون بأنّ إسرائيل "جنتهم الموعودة".

وكانت شبكة وطن الاعلامية، قد اطلقت مؤخرا برنامج "أصوات عربية حرة"، الذي يعد الأول من نوعه على صعيد الاعلام الفلسطيني، ويقدمه الصحفي سامر خويرة، بهدف اعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في عمقها العربي والقومي، وتعزيزا للجبهة العربية  الرافضة للتطبيع مع الكيان المحتل. ويبث البرنامج، كل يوم أربعاء، تمام الساعة السادسة مساء، ويعاد في الثانية من ظهر الخميس.